هندسة الشاي والقهوة… أن تسقط فيما تحب!

25 سبتمبر , 2017

في عام 2011 كُنتُ أعمل في شركة Intel حيث اطلعتُ على عوالمَ هندسيَّةٍ عجيبةٍ، لم أحلُم بها من قبل، وكان علينا ألا نتوقَّف عن التعلُّم واجتياز الدورات السريعة باستمرار، وفي إحدى الدورات التقيتُ بمهندسةٍ عَرَّفَتْ نفسها بأنها “مهندسة عمليَّات Process Engineer “، ولم أكن أفْقَهُ حينها شيئًا عن هندسة العمليَّات التي تختص بدراسة تحويل المواد الخام إلى مُنتجات، كتكرير النفط إلى بنزين مثلًا أو كما نفعل عندما نُحضِّر الشاي والقهوة، وقد أثارني الموضوع لدرجة أن تلك الْمُحادثة كانت من الأمور التي شاركَتْ في أنني تركتُ الشركة العملاقة وانطلقت للدراسة!

 

كُنتُ أظن دائمًا أن هندسة السيارات هي حلُمُ حياتي، فلم أكن أعرف من “الهندسة” إلا تلك الشاحنات الضخمة المثيرة التي كانت تجوب شوارع قريتي باستمرار، ويكثر حديث الناس عنها، وبالفعل فقد دَرَسْتُ ما يُعرف بالهندسة التطبيقية (تقني) في الماكينات والسيَّارات قبل أن أدخل Intel، وللصراحة فإن دخولي لهذه الشركة كان أشبهً بُصدفة جميلة، لم أكن أتوقعها، وأجمل ما فيها أنني اكتشفت أن العالم والهندسة أكبر من أن تنحصر في هندسة حاسوب أو هندسة مبنًى وسيارات، مثل “هندسة العمليَّات” تمامًا أو حتى “الهندسة البيئية” التي اخترتها لتكون تخصصي الدراسي، فمعظم عملي في إنتل كان يدور حول تقليل الأضرار الناجمة عن صناعة معالجات الحاسوب (Processor) بواسطة ماكينات تُسمى Exhaust Abatement هي الأخرى لم أكن أعرف عنها شيئًا لولا إنتل، وهي التي جعلتني أدرس الهندسة البيئية لاحقًا.

 

في دراستي للهندسة البيئية اكتشفت أنني مُضطر لاجتياز مادتين في “هندسة العمليَّات”، وهي من أكثر المواد التي أحببتها خلال دراستي، فمعظم ما كُنا ندرسه كان قريبًا جدًّا من المواقع، بل إن الكثير من الأمثلة التي كانت تُطرح في المحاضرة كانت من وحي حياتنا الشخصية في المطبخ حتى الحَمَّام، فعندما أراد البروفيسور أن يَشرح لنا مصطلحًا “مُرعبًا” مثل “الإنتالبيه” لم يتفلسف كثيرًا، وراح يحدثنا كيف يُمكن أن نفهم الإنتالبية ونحن نستحم بالمياه الساخنة التي هي ليست عبارة عن مادة فقط، وإنما (مادة + طاقة حراريَّة) وعندما أراد لنا أن نفهم موضوع “التحليل البعدي Dimensional analysis” راح يشرح لنا عن تصوير مشهد سقوط قطار من جسر باستخدام لُعبة قطار، وليس قطارًا حقيقيًّا، وكانت مسألة مثيرة جدًّا، كما قُمنا بحل أسئلة تتعلق باستخلاص المادة الْمُخدرة من نبتة الحشيش.

الْمُهم أن الأمور لم تكن جميلة ومُسليَّة دائمًا، ولك أن تتخيَّل معنى أن تفتح امتحانًا وتجده يتحدَّث عن تصميم آلة لتصنيع البوظة وحساب نسبة الدهون في الحليب والقشطة والطاقة المطلوبة لذلك، أو عن تصميم آلية لسقاية حيوان أليف تُرَبِّيهِ في بيتك، قد لا تكون الأسئلة صعبة بالضرورة، لكنه مُفاجئ، ولكن –للحق- فإن هذا النمط في التفكير الذي لم نعتَدْهُ هو أفضل ما يُمكن تعلُّمه في جامعة، فهو يجعلنا نؤمن بضرورة العلوم لحل مشاكلنا اليوميَّة، وأننا قادرين بأنفسنا على حل الكثير بعد الامتحان، وقد كان هذا البروفيسور بديعًا في توجهه هذا والكثير من الأسئلة التي كان يطرحها تطوِّر في طلابه هذه الصِّفة.

 

إحدى الموضوعات المميزة التي درسناها في مواد “هندسة العمليات” هي مادة “الاستخلاص” وهي العمليَّة التي نقوم بها عندما نحضِّر الشاي والقهوة.

من يعشق الشاي ويحضره يوميًّا مثلي لا بُد أنه يرى أن استخلاص الشاي من أوراقه تتم في درجة حرارة معيَّنة، والأكيد أن الاستخلاص في درجات الحرارة الباردة تكون سيئة، بينما في الحارَّة أكثر، وهذه مسائل دقيقة جدًّا يشرحها هذا العلم، ويغوص فيها بعمق، وبدون هذه العمليَّة “المعقدة” لا يُمكن أن نشعر بطعم الشاي أصلًا، كما أننا لو تأملنا كأس الشاي جيدًا سنرى أن مُستخلص الشاي لا ينتشر في الشاي بعد وضع الورقة والمياه الساخنة فجأة، بل هناك سرعة للانتشار “الشاي” في “المياه السخنة” وهو ما يُمكن ملاحظته من خلال التحوُّل التدريجي للون كأس الشاي وهذا يُسمَّى علميًّا “الانتشار Diffusion”، وحتى تحريك الشاي بعد وضع السُّكر ليس مسألةً عشوائية، ويُمكن لتأمله أن يساعدنا على فهم عمليَّات إنتاج أكبر، فالتحريك ليست مسألة مفهومة ضمنًا، ومثالًا على ذلك فإن تحريك العسل في الشاي يحتاج طاقة أكبر من تحريك السُّكر، وللعِلْم فإن “التحريك والخلط” يستغرق منَّا –نحن طلابَ مساقِ مبادئ هندسةِ العمليَّات- مُحاضرةً كاملةً، ويتبعها تمرين موسَّع، ثم تمرين مُصغر؛ للتأكد أن الفكرة قد استُوعِبَتْ تمامًا!

 

بالنسبة للقهوة فإن المسألة قد تبدو مُعقدةً أكثر بكثير، خاصَّة عندما نتحدث عن استخدام ماكينة تحضير القهوة، حيث يجب على ذرَّات المياه أن تمر في غشاء لكيسٍ فيه القهوة المطحونة، وهكذا تخرج المياه بعد لحظات وقد تحوَّلت إلى “قهوة”، وفي أحد الأسئلة يطلب منَّا الأستاذ أن نُحدد له “المسافة” التي يجب أن تمر من خلالها المياه قبل أن تخرج مُحملة بنسبة القهوة المطلوبة (تركيز القهوة) وذلك من خلال استخدم معادلة تفاضليَّة مُبسطة، وأقول “مُبسطة” لأننا يجب أن نفترض الكثير من الفرضيَّات التي قد تكون مختلفة قليلًا عن الواقع، مثل: أن حبيبات القهوة كُرَويَّة الشكل؛ لأننا لو لم نفترض هذا لما خرجنا من السؤال، ولتعقدنا لربما من شُرب القهوة.

سأعترف أنني سقطت في هذا الامتحان أول مرَّة، بفارق بسيط جدًّا وهو “ثلاثة أرباع” العلامة، وهو أمرٌ مؤلم بالطبع، ولكنني أحمد الله على ذلك السقوط، فإعادة هذه المادة يضمن لنا أن نتخرج من الجامعة ونحن أكثر فقهًا بواقعنا هندسيًّا، وهو ما يبدو أمرًا صعبًا حتى بالنسبة للطلبة الألمان، ففي آخر امتحان كانت علامة النجاح المطلوبة لاجتياز هذه المادة 43% فقط، ومع هذا فإن نسبة لا بأس بها لم تنجح..!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

صمود منذ شهرين

مقال رائع
بوركت

أضف تعليقك