أساتذتنا الكرام: نحن لسنا ماكنات للطباعة

9 أغسطس , 2021

هي اثني عشرة عاما أمضيتها في غياهب أقبية المدرسة، هكذا يحلو لي وصفها، أيام وسنون مرت ولم يسألني أحدهم من مدرسيّ أجمعين عن رأيي في خبر ساخن أو حتى في نص أدبي أو تاريخي تعلمناه أنا وأترابي. كان الجو مملا الى أبعد ما يكون، وذلك مقارنة مع جو البيت الذي أعود فيه حالا لأفجر غضبي في وجه أبي فيعيد تنسيق تلك الطاقة علها خرجت على شكل احتجاج أحمله معي في اليوم التالي الى المدرسة. كانت تلك البداية وكنت أعتبر من “المشكلجيين” الى أن جاءت الثانوية العامة، حيث ضبطت أعصابي تمام الانضباط ونسقتها على هوى رفقائي المراهقين، فلا السياسة تهم ولا الفساد يضر، دعونا نشاكس وأهم وقبل كل شيء دعونا نصمت. الصمت أجدى لنا في تحصيل علامات مشرفة، فكانت علامة المدرسة والمعلم الذي يدرسنا تناصف في نسبتها العلامة النهائية لامتحانات الثانوية العامة، والنصف الآخر يشرف عليه مصلح خارجي لا نعرفه ولا يعرفنا بين يديه أوراق أصحابها مجاهيل، ما يعنيه فعلا هو مضمون تلك الخربشات المنسوخة من الكتاب الى عقولنا ومن ثم الى تلك الأوراق وشخصي بأبعاده التفكيرية مصفّرة. امتحانات الثانوية العامة في بلدنا يطلق عليها “امتحانات البلوغ” لكننا لم نمتحن حقا ولم نبلغ حقا.
 
يشرف نصف الدماغ الأيمن كما تعلمت لاحقا في جامعتي وخصوصا في كلية العلوم الاجتماعية على التفكير التركيبي أو التجميعي، في مقابل نصف الدماغ الأيسر الذي يشرف على التفكير التحليلي. النصف الأيمن أيضا يهتم بالصورة العامة الشاملة للأمور، ويبحث في الغالب على المشترك والمتشابه ويحسن من خلالها التلخيص، أما النصف الأيسر فمعروف عنه أنه يشرف بصورة كبيرة على اللغة بتفاصيلها (من الناحية الوظيفية ولا أقصد الناحية المعنوية أو الجمالية)، وعلى الفهم الرياضي.
 
عندها فقط اكتشفت أنهم خدعونا، وأقصد جهاز التربية والتعليم العربي، بواسطة المدرسين، تخرجت من المدرسة وكنت قد تعلمت الرياضيات وشغلت فيه النصف الأيسر من دماغي كما يجب، لكنه لم ينل شغفي في لحظة من لحظاتي. كنت أشعر شعورا فطريا بميلي الى الجانب الأيمن من دماغي، لكن السؤال الذي طرحته لاحقا وخصوصا أيام الجامعة، مالفائدة؟ ما فائدته الآن فعلا وقد تم تعطيله بالكامل، تم الدوس على مهاراته بالحذاء في أقل ما يكون. في التاريخ والأدب كانت مهامي الأولى لعبور الامتحان بسلام هي “الحفظ” ونطلق عليه في بلادنا “البصم”، أذكر أن هناك من الأساتذة من أراد أن يهلكنا بالحفظ القرآني أي الدقيق في كل حرف حتى في كل فاصلة ونقطة، وكان يمايز بين علاماتنا وفق تلك الأدق في نقل الصورة كما هي من الكتاب أو الدفتر. لم يعد على إثرها داعي للفهم، الداعي الوحيد هو أن تتحول الى آلة نسخ على الرغم من مرور ما يقارب الخمسمائة عام على اختراع الطباعة. وأقول التاريخ والأدب وحدهما لأنهما كانا إجباريين، لأن بقية التخصصات الإجتماعية كانت محتقرة ولا يلجأ اليها سوى ضعاف العقول.
 
لم يكن ما درسته في الجامعة مبشرا بالمرة وخصوصا عندما أعلنت المحاضرة أن انتهاء تشكل الدماغ ينتهي عند البلوغ. فزاد من حقدي على بلاهة مدرسينا، ومرارة على الضحايا من الطلاب العرب في تخصصات العلوم السياسية والاجتماع والاقتصاد والفلسفة والنفس، الذين كان معدل تحصيلهم منخفضا بجلاء مقارنة بالسواد الأعظم من بقية الطلاب الذين أخذ وزير معارفهم على عاتقه أن يخرج نخبة تجابه العالم كله في علمها وعملها. لم يكن ذلك مفاجئا عندما شاءت الأقدار وحضرت درسا بين صفوف طلابهم عندما علا صوت الطلاب على صوت أستاذهم في الحديث والنقاش الجدي المحتدم، مما أوقعني أرضا تعجبا وتساؤلا.

شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك