المدارس المختلطة بين المؤيد والمعارضقضية الشهر

أيهما أفضل: المدارس المختلطة أم المدارس المنفردة؟

أيهما أفضل: المدارس المختلطة أم المدارس المنفردة؟

حتى نهاية القرن الثامن عشر، كان التعليم أحادي الجنس شائعًا في جميع أنحاء العالم، ومع حلول القرن التاسع عشر، تم إنشاء المزيد من المدارس المختلطة، حتى أوشك أن يختفي التعليم أحادي الجنس من العالم الغربي تقريبًا وخصوصًا في دول أوروبا وأمريكا. لكن هناك بعض البلدان مثل المملكة المتحدة، حيث لا يزال خيارًا قابلاً للتطبيق، وفي بلدان أخرى، لا سيما في آسيا وشمال أفريقيا، ازدهر التعليم المنفرد الذي يفصل بين الجنسين نتيجة للمعتقدات الدينية والثقافية، وهو متواجد بها حتى الآن.

وحتى هذه اللحظة ما زالت تدور العديد من التساؤلات حول قضية الاختلاط في المدارس بعالمنا العربي، حيث يفكر الكثير من أولياء الأمور مليًا قبل اتخاذ قرار التقديم لأطفالهم في مدارس منفردة أو مختلطة. وغالبًا ما يحرصوا في النهاية على أن يقدموا لأطفالهم في مدارس الجنس الواحد، نظرًا لتخوفهم من انشغال أبنائهم بالجنس الآخر وضياع أخلاقهم، وأيضًا نتيجة لتأثرهم بتجاربهم الخاصة، فإذا التحق الوالدان في الماضي بمدرسة من جنس واحد، فهم أكثر ميلاً إلى تفضيل تعليم جنس واحد لأطفالهم، وهو الأمر الغالب في العالم العربي.

ومع ذلك، تشير الدراسات إلى تواجد العديد من المميزات التي تعود على الطلاب عندما يدرسون في المدارس المختلطة، فالتعليم لا يدور حول التحصيل الأكاديمي فقط، بل أن هناك جوانب عاطفية واجتماعية أخرى يحتاجها الطلاب لبناء شخصية سوية وتكوين مفاهيمهم الخاصة حول الذات، وهناك تاريخ طويل من البحث يُظهر أن التعلم التعاوني بين الجنسين في الفصول يحقق نتائج إيجابية، بشرط أن يكون تحت رقابة المعلمين.

فهل تعد المدارس المختلطة خطرة حقًا على أخلاق الطلاب؟ أم أنها مهمة لتلبية احتياجاتهم الاجتماعية؟  

حسنًا، لقد درست في مدارس منفردة، ودرست في مدارس مختلطة، وبالفعل هناك العديد من المميزات والعيوب لكل نظام منهم. ومن الواضح أن هناك الكثير من الآراء التي تدعم الأنظمة التعليمية المختلفة سواء منفردة أو مختلطة، وكل رأي يستند على العديد من الأدلة المنطقية والبحثية التي تعززه، وهو ما يسبب الحيرة للعديد من الآباء. لذلك، إليكم أهم ما يجب معرفته عن كل نظام منهم.

أولًا: بالنسبة للمدارس المختلطة

واحدة من أهم مميزات المدارس المختلطة هو أنها تقوم بإعداد الطلاب للحياة، خصوصًا أنهم في المستقبل سوف يجدون أنفسهم مطالبين أن يعملوا مع الجنس الآخر، وهنا تظهر مميزات المدارس المختلطة وعيوب المدارس الفردية، حيث وُجد أن الطلاب الذين يذهبون إلى مدارس فردية يميلون إلى التفاعل بشكل أقل مع الجنس الآخر، وهذا الأمر لا يؤثر فقط على علاقاتهم في العمل، بل يؤثر على علاقاتهم الشخصية أيضًا، حيث أنهم بعد ذلك سوف يجدون صعوبة في تطوير التواصل مع الجنس الآخر.  

لكن، عندما يتعلم الأولاد والبنات معًا، يتيح لهم ذلك أن يتعلموا من بعضهم البعض من خلال الاستفادة من أساليب التعلم المختلفة التي يقدمها كل منهم، كما يعزز التنافس بين الجنسين عملية التعلم في الفصول المشتركة، وهو ما يحسن من درجاتهم في النهاية ويُطوّر من مستوياتهم الدراسية.

كما أشارت بعض الأدلة إلى أن أداء الأولاد في المدارس المختلطة أفضل من الناحية الأكاديمية، حيث توضح الأبحاث أنها تتمتع بجو أفضل بالنسبة لهم، وتعزز تكوين الصداقات مع الجنس الآخر، مما يعود على الطرفين بالعديد من المنافع الاجتماعية، مثل تطوير الإحساس بالمسؤولية، وتجنب الخجل المبالغ فيه مستقبلًا عندما يأتي أمر التفاعل مع الطرف الآخر، سواء في العمل أو في العلاقات العاطفية.

بالإضافة إلى ذلك، يميل الطلاب الذين درسوا في المدارس المختلطة إلى أن يكونوا على سجيتهم أكثر، ويبتعدوا عن التصنع عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الجنس الآخر، ويعود ذلك إلى توافر البيئة المثالية لهم في المدارس المختلطة إلى النشأة بجانب بعضهم البعض، فيصبح الاختلاط بالنسبة لهم أمر طبيعي، وبذلك لا يتواجد أي داعي للتعامل بشكل متصنع مستقبلًا.  

والجدير بالذكر، أن مشكلة ضياع أخلاق الطلاب نتيجة الاختلاط في المدارس، أو انشغالهم بالجنس الآخر، هي واحدة من المشاكل التي يمكن مواجهتها من خلال الرقابة القوية، ونشر الوعي الكافي بالمدارس المختلطة لكيفية التعامل بين الطرفين.

ثانيًا: بالنسبة للمدارس الفردية

تقول “هيلين فرايزر” وهي مديرة إحدى مدارس الفتيات، أن التعليم الفردي بالنسبة للفتيات أفضل بكثير من التعليم المختلط. وتوضح أنه في الفصول الدراسية، تميل الفتيات إلى تفضيل التعلم التعاوني القائم على المناقشة والاستفادة من المشروعات، لكن في الفصول الدراسية المختلطة، يميل الأولاد إلى السيطرة على المناقشات وكثيرًا ما يضعون أنفسهم كقادة في الأنشطة الجماعية.

ويترتب على ذلك أن المدرسين – دون وعي – يحاولون الاعتماد على نقاط قوة الأولاد من أجل الحصول على أفضل النتائج، وبهذا لا يمكن للفتيات أن يحققن الصدارة في المسابقات إلا في بيئات الجنس الواحد فقط. لذلك، من الواضح أن المدارس المختلطة تعود بفوائد التقدم الأكاديمي على الذكور أكثر من الإناث.

كما تشير العديد من الدراسات، أن هناك العديد من الاختلافات بين الجنسين في الاستجابة لعملية التعلم، على سبيل المثال تٌفضل الفتيات الغرف الدراسية الأكثر دفئًا، بينما يفضل الأولاد التعلم في ظروف أكثر برودة. وبذلك تمتلك المدارس الفردية ميزة تطبيق نظام دراسي واحد يتكيف مع الطلاب به، دون الحاجة إلى تغيير الأنماط الدراسية بشكل مستمر كما يحدث في المدارس المختلطة.

وفي الواقع تمكّن مدارس الفتيات الفردية الشعور بالحرية في التعلم واكتشاف أي موضوع، كما تساعدهن على الاهتمام بالرياضيات والعلوم بشكل أكثر، وهي الموضوعات التي يهيمن عليها الذكور عادة في المدارس المختلطة.

الآن، وبعد أن تم عرض مميزات وعيوب كل نظام … أيهما أفضل؟

في نهاية المطاف كما ذكرنا سابقًا، لكل نظام خصائصه، ويعتقد العديد من المعلمين وخبراء التعليم أن نقاط القوة في المدرسة يجب أن تعتمد على جودة التعليم وليس على جنس الطلاب فقط. فهناك العديد من العوامل التي تساهم في بيئة مدرسية ناجحة، وجنس التلاميذ هو واحد فقط من العديد من العوامل المساهمة في الأمر. وكما هو الحال دائمًا، هناك مزايا وعيوب لكل من النظامين.

لذلك، لا يمكن الجزم أي نوع من المدارس أفضل، وإذا سألت مجموعة من أولياء الأمور عن آرائهم حول التعليم المختلط أو المنفرد، فسوف تسمع بعض الحجج التي تؤيد أو تقف ضد كلا النظامين.

ولكن هل يجب أن تكون الفوارق بين الجنسين فعلاً العامل الحاسم في اختيار المدرسة؟ ، أم يجب أن ينظر الوالدان بشكل أوسع إلى خلفية المدرسة وجودة التعليم بها؟

لحسم الأمر في هذه المسألة، يتفق معظم خبراء التعليم على أن الأولاد والبنات لديهم احتياجات تعليمية متفاوتة، فهم ينضجون بمعدلات مختلفة، لذلك، في بيئة التعلم، من المنطقي إعطاء كل من البنات والأولاد ما يحتاجون إليه في كل مرحلة من مراحل تطورهم.

ففي حالة أن تم التقديم للأطفال في مدرسة ذات جنس واحد من المهم أن يتاح لهم فرصة التفاعل مع الجنس الآخر، ويجب أن يسأل أولياء الأمور أنفسهم كيف سيتم هذا التفاعل، وما هي الفرص المتاحة – وليست فقط الفرص الاجتماعية – ، ولكن الفرص مثل النقاشات الدراسية والفكرية مع تلاميذ في مثل سنهم، وهو أمر مهم في هذه الحالة.

أما في حال تم التقديم للأطفال في مدرسة مختلطة، فينبغي توعيتهم لكيفية التعامل مع الجنس الآخر، وأن يتم مراقبتهم وخصوصًا في فترات المراهقة، حتى لا ينشغلوا أو يقل مستواهم الدراسي. كما يعد من المهم أيضًا اختيار المدرسة المناسبة لهم في هذه الحالة والتأكد من جودة التعليم بها ومدى مناسبة بيئتها المختلطة لأبنائهم.  

المصادر:

http://www.gettherightschool.co.uk/single-sex-mixed-schools.html

https://www.telegraph.co.uk/education/educationopinion/11476686/Are-single-sex-or-mixed-schools-the-way-forward.html

http://www.bbcactive.com/BBCActiveIdeasandResources/Whataretheadvantagesofsinglesexschools.aspx

https://www.relocatemagazine.com/articles/education-schools-international-guide-2017-a-single-sex-or-mixed-education

عمر طارق

“أهتم بقضايا العلم والتقنية والتعليم في المقام الأول، كما أعشق البحث والكتابة”
زر الذهاب إلى الأعلى