قضية الشهرقضية شهر 52017 “حق الطفل في حضانة أمه ورعايتها…والأم العاملة”

إليكم الدليل العلمي على إيذاء عمل الأم للطفل (مترجم)

خلال الأسبوع الجاري علمنا بما لا يدع مجالًا للشك بأن الحكومة لا تقدِّر الأمهات اللاتي يقعدن بالمنزل، فبحسب وزارة الخزانة إن الأمهات اللاتي يرعين أبنائهن طَوَال الوقت لسن بحاجة لمساعدة مالية كبيرة مثل الأمهات العاملات.

وظهرت هذه النوايا المشوَّهة مع إعلان التحالف عن نيته منح الأمهات العاملات إعفاءات ضريبية تقدر بالآلاف لتغطية نفقات إحضار شخص آخر للعناية بالأطفال، وبالنسبة للعائلات التي يعمل بها أحد الوالدين فلن تحصل على بنس واحد، وتُعد تلك رسالة واضحة وصريحة، مفادها أن الأمهات اللاتي يعملن يُقَدَّرن أكثر من اللاتي لا يعملن.

ومع ذلك فإن الأعوام الثلاثة الأولى من عمر الطفل يتطور فيها عقله ويتضاعف حجمه؛ ولذلك فإن كل دغدغة للطفل أو ضحكة دافئة، وكل صوت تصدره لعبة هو بمثابة انفجار صغير لقوة العقل، والفرح والحب في هذه المرحلة سيؤثران على ما سيحدث في الأعوام القادمة.

ووفقًا للعلماء فإن الأمهات والآباء هم من يقفون وراء نمو عقول الأطفال، وإن برفض وزيرة الأطفال، إليزابيث تراس، لخطة رعاية الطفل هذه فهي تحاول إعادة النساء إلى العمل. وفي آخر تصريحاتها بحثت بلا فائدة عن وعي بالحاجات الأساسية للأطفال الصغار. إن الأمر يتعلق بقوى السوق، وحاجات الوالدين، وإعادة المزيد من الأمهات إلى العمل.

والأكثر من ذلك، فإن وثيقة سياسات تراس الجديدة “مزيد من رعاية الطفل الممتازة” تقترح تقليص نسبة المعلمين للأطفال في الحضانات وفي أماكن الرعاية بالطفل، مما يعني بأن المعلمين سيكون لديهم وقتًا أقل للتفاعل مع كل طفل.

وبالطبع، فإن هؤلاء الذين يهتمون بأمر الأطفال، مثل المكتب الوطني للأطفال، في حالة استياء، متى سيتحدث صناع السياسات عن الأمومة؟ أو متى يعترفون بأن العلاقة الوثيقة بين الأم والطفل بشكل فريد ضرورية؟

إن حمل الأمهات على العودة للعمل ظَلَّ هاجسًا عند السياسيين، وخاصة حزب العمال، طيلة عقود، وأنا أعتبر نفسي نسوية، وأدرك الرغبة، فضلًا عن الحاجة الاقتصادية، للعمل، ولكني مع ذلك أؤمن بأننا بحاجة لأن نطرح سؤالًا جذريًّا، وهو: هل الاستعانة بخدمات خارجية للأمومة هو أفضل طريقة لخلق مجتمع صحي؟

يجب أن يتوافر من ينطق بلسان الأطفال دون سن ثلاث سنوات؛ لأنهم لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم. وربما يكون ذلك واضحًا، ولكن تلك الفكرة ظلت تجول في رأسي في مؤتمر الذكرى الـ 20 لجمعية خيرية صغيرة تسمى “ماذا عن الأطفال؟”، وكان شعار المؤتمر: “زيادة الوعي حول الاحتياجات العاطفية المتغيرة باستمرار للأطفال دون الثالثة في مجتمعنا المتغير باستمرار”.

بإمكاننا جمع وسائل تكنولوجية والعمل بكد أكثر لدفع مقابلها، يمكننا تغيير توقعاتنا لما يشكل السعادة والنجاح، ولكن هل يتغير الرُّضَّع والأطفال؟ لا. إن ما يحتاجونه من أقرب الناس إليهم هو ما ظلوا في حاجة إليه طيلة قرون، وهو إيلاء الاهتمام لهم والشعور بالأمان.

ربما يعمل الآباء لساعات ليوفروا لأنفسهم وأطفالهم أسلوب حياة جيد، ولكن ما يحتاجه أطفالهم هو حب ثابت. ويمكنني بالفعل سماع اعتراضات، وسَأُتَّهم بعدم فهم حاجة الأمهات الأكثر فقرًا للعمل، وأن النساء ذوات المسيرة العملية يحتجن بشدة للعودة لمحل العمل بعد إجازة الوضع، ولكن ما المشكلة في ذلك؟

سيُقال بأن الأطفال من الخلفيات الفوضوية سيكونون أفضل حالًا في الحضانات، وفي حين أن ذلك الأمر صحيح، إلا أنه حجة رئيسة ضد خطة إليزابيث تراس لتقليص نسبة المعلمين للأطفال.

أعلَم أيضا بأن الآباء الذين لا يعملون ويقعدون في المنزل يمكن أن يكونوا جيدين مثل الأم، كما أن تولي الأجداد رعاية الأطفال أفضل أيضًا، ليست هناك قواعد لحياة الأسرة؛ إذ يرتبك الناس، وأصبح مفهوم أن يكون الواحد منهم والدًا “جيدًا بما يكفي” مريح بشكل رائع، ولكن ما سبق لا يعني بأنه لا يجب علينا التفكير فيما يحتاجه الأطفال.

لم تدع المحاضرات التي استمعت إليها في مؤتمر “ماذا عن الأطفال” لي شكًا في وجوب تفكير الأمهات الجديدات بروية في اختياراتهن، لقد أجرت الحكومات المتعاقبة غسيلًا لأدمغة النساء لتقنعهن بأن ربة المنزل لا تلبي التوقعات بشكل ما، دَعُوا نقاشات اقتصاديات رعاية الطفل لآخرين، إذ أن أكثر ما يهم حاليًّا هو كيفية تطوير الأطفال لعلاقة آمنة ولماذا يفيدنا ذلك جميعًا.

منذ عشرين عامًا أسست المعلمة المتميزة والطبيبة النفسانية دورين جودمان “ماذا عن الأطفال؟” ردًّا على جريمة القتل الفظيعة لجيمي بولجر، لقد عبرت عن وجهة النظر بأن قتلة الطفل الصغير، وكانوا من الصغار، هم ضحايا بدورهم؛ فالأطفال الذين لُبيت احتياجاتهم العاطفية في وقت مبكر غير مرجح لهم بأن يكونوا قتلة، وجادلت جودمان بقوة عن أن الأطفال يجب أن ترعاهم أم بشكل أساسي خلال أول ثلاثة أعوام من أعمارهم.

وقال اختصاصي علم النفس والطبيب النفسي الشهير جون باولبي الأمر ذاته في الخمسينات، لقد أدت خبرته الواسعة وعمله الميداني إلى تطويره نظرية التعلق، وهي فكرة أن الأطفال بحاجة للشعور بعلاقة دافئة ومستمرة مع أمهاتهم (أو بديل دائم للأم) لينجحوا.

وتعرض باولبي للهجوم من نسويات، ونبذه محللون نفسيون لقوله ما أصبح جليًّا اليوم، وهو أن خلق علاقة مستمرة مع طفل يُعد جزءًا ضروريًا في تربية الأطفال. وتستند أعماله إلى كمية ضخمة من الأبحاث.

ومن أجل فهم العلاقة بين الأم وطفلها، فحص العلماء سلوك الأم والطرق التي يتجاوب بها الطفل معه، وسلط عملهم الضوء على المخاطر المحتملة للاعتماد المفرط على الحضانات للعناية بمن هم دون ثلاثة أعوام، كما كشفوا عن أن عقل الطفل يتطور كرد فعل للحب والرعاية التي يحصل عليهما في أول عامين بعمره.

إن كنتم ترغبون في رؤية مثال رائع لذلك الأمر، زوروا موقع YouTube واكتبوا “Dr Edward Tronick + Still Face Experiment” في مربع البحث، تكشف تلك التجربة عما يحدث عندما تتوقف أم مهتمة عن التجاوب مع طفلها، وتُعد تلك التجربة تحذيرًا قويًا لما قد يحدث عندما لا يكون البالغ المنوط به رعاية الطفل مهتمًّا، ستتمكنون خلال التجربة من مشاهدة ارتفاع مستوى التوتر لدى الطفل خلال ثوان.

لقد تعرفت على الكثير حول قلق الانفصال عند الأطفال وتوترهم في مؤتمر “ماذا عن الطفل؟” وكنت أتمنى لو حضرته إليزابيث تراس؛ فلو كان حضرته، كانت ستستمع للأستاذ السير دينيس بيريرا جراي (وهو الرئيس السابق للكلية الملكية للأطباء) والخبيرة في السنوات الأولى للطفل الدكتورة كارول أولانوفسكي، واستشاري العلاج النفسي للأطفال روبرت بالبيرني، وأستاذ العمل الاجتماعي وعلم النفس ديفيد هاو، وهم يتحدثون عن أن المشاكل المتزايدة في المجتمع، مثل الاكتئاب، ربما تكون بسبب العلاقات الضعيفة بين الطفل ومن كان يرعاه، والتوتر في الأعوام الثلاثة الأولى.

وربط جون كارنوتشان، وهو ضابط اسكتلندي بارز وخبير في العنف معروف عالميًّا، بين الأشياء الفظيعة التي واجهها في حياته العملية والعناية غير الكافية التي يحصل عليها الأطفال، وفي حديثه عن سلوكياتنا كمجتمع، بدا كارنوتشان معتقدًا بأن الكثير من الآباء يعاملون أطفالهم كقطع تكميلية، هل هذا صحيح؟.. لقد استشهدت بهذه الأسماء الشهيرة لأريكم بأنه موضوع مهم ومُلِح.

وارتبطت المستويات المرتفعة للرعاية الجماعية قبل سن عامين بزيادة السلوك المعادي للمجتمع، وخَلُصَت دراسة جديدة إلى أن الأطفال الصغار الذين اعتنت بهم أمهاتهم أبلوا حسنًا بشكل كبير في الاختبارات التنموية أكثر من الأطفال الذين حصلوا على أي نوع آخر من الرعاية.

وبالطبع، فأنا لا ألوم أي سيدة ترغب في العودة للعمل، ولكن واحدة من أكثر التجارب كآبة بالنسبة لي كانت زيارة حضانة عناية باهظة الثمن في مدينة لندن، لقد كانت الحضانة مليئة بصفوف من الأسرَّة التي كان ينام بها أطفال كانت أمهاتهم في العمل، وغالبًا بين الساعة السابعة صباحًا والسابعة مساءًا.

ولم تكن تلك التجربة أفظع من زيارتي لداري أيتام مزدحمين في رومانيا في عام 1990. ولكن لنكن صادقين، لقد كان الأطفال “موضوعين” في كلا المكانين، وكان يتم الاعتناء بهم دون الاهتمام لأمرهم.

لماذا تسعى الحكومة حثيثًا ليكون ذلك هو العادي؟

عفوًا ديفيد كاميرون ولكن حتى أنت يتعين عليك أن تكون قادرًا على معرفة أن ذلك أبعد ما يكون عن كونه جيدًا.


المصدر: ديلي ميل أونلاين

عبد الرحمن ممدوح

مترجم مهتم بالتاريخ والسياسات الخارجية والأدب العالمي.
زر الذهاب إلى الأعلى