إمرأةٌ من حديد

24 سبتمبر , 2021

 في كلِّ يومٍ كنتُ أراها فيها، كنتُ ألمحُ في عينيها كبرياءً لم ألمحه في عينيّ أحدٍ قطّ، عزّةً لم أرها في عيني أحدٍ قطّ، صمودًا لم أعهد أحدًا به قطّ. وكأنّ تلك العينين الخضراوين خلقتا لتُلمح فيهما العزّة والكبرياء والصمود لا لتُبصرا ما حولهما، وكأنّهما لا تكترثان لما حولهما نوائب الدّهر، مع أنّ المصائب كانت تُغّشيها، تلفُّها، تُحيطُ بها، لكنّ نظرتها لما حولها لم تتغير. في كلّ مرّةٍ كُنتُ أراها فيها كُنتُ أتردد ألف مرة قبل أن أسألها عن صمودها من أين لها به؟! أإعتيادها على مصائب الدهر أنساها أن تحزن على ما يصيبها؟! أأنساها ذلك أن تُظهر مدى استيائها من حالها؟! كنت كلما أفكّر بسؤالها أخجل من نفسي فلستُ شيئا أمامها، فنحن ننهار أمام أي مصيبة، ننهار بانهيار منازلنا، نموت بموت أحبائنا، نضيع ُ بضياعِ أشيائنا، أما هي فلا، أرى القتلى حولها بالمئات بل الآلاف، أرى آلافًا من أبنائها مشردين، مُعدمين، محرومين. واعجباه منها! أهي امرأة من حديد؟! من فولاذ؟! ألا تنصهرُ عند أشدّ الظروف ؟ ألا تنحني لما يُحيط بها من رياح عاتية؟! كنت أصبحُ وأُمسي وأنا أفكر في حالها، حتّى جاء ذلك اليومُ الذّي أغرقتني فيه الهموم، وبدأت دموعي اليائسة بالتساقط، حينها ظهرت لي تلك المرأة، بدت لي كما عهدتها، حينها صرختُ في وجهها: من أنتِ أيّتها المرأة؟ أحديديةٌ أنتِ؟! أم صورةٌ من نسجِ خيالي؟! ألا تبصرين ما حولك؟! أبصري القتلى، الجرحى، أبصري الكثالى، اليتامى، المشردين، أبصري أفيقي! أبصري أفيقي! وبعد لحظةٍ من الصمت كان ذلك الهدوء الذي يسبقُ العاصفة، صرخت فيّ بلا أُبصِرُ، وأرى، وأُحسّ بما حولي، في كلّ يومٍ يُستشهدُ المئاتُ من أبنائي فبقطراتِ دمائهم الزّكيّة يروون صمودي، وبفرحة أمهاتهم بهم أزداد عزّةً وكرامة، في كلّ يومٍ يُعذّب أبنائي في سجون مغتصبيّ، ومع ازدياد ألمي وحسرتي يزداد صمودي، حتى حبات الزّيتون تزيد من صمودي، حجارة الأطفال التي يقذفونها في وجه مغتصبيّ تزيد من صمودي. مهما حدث سأقاوم، لن أستسلم،  لن أدعهم يرون دموعي، بل سأقذفهم بها، لن أنتظرَ شفقة أحدٍ على حالي، لن أنتظر نظرات الآخرين المستعطفة، فبأطفالي وشبابي ونسائي وشيوخي وشهدائي وأسراي يزداد صمودي، تزداد مقاومتي، فلا تزال أشجارُ الزيتون تنتظرني لأقطفها، لا تزال أشجاري الخضراء تنتظرني لأرويها،  لا تزال بيوتي تنتظر من يفتحها بتلك المفاتيح الحديدية  التي خبأتها نسائي لئلا يمسها أحد. سأبقى صامدة، ولن أنحني إلا إن استطاعوا منع  أطفالي من رمي الحجارة! إن استطاعوا منع شهدائي من النّزف! إن استطاعوا منع نسائي من دفع أبنائهنّ للجهاد! إن استطاعوا نزعي من قلوب أبنائي! لن أنحني إلا إن استطاعوا سلب  زيتوني خُضرته. فجأة أحاط بها جيش من الجنود! قيدوها، أبعدوها، أخذوها، وها هي لاتزال تصرخ، صوت صراخها يدوي في أذني، بل ويرتفع كلما ابتعدت أكثر، ولا تزال نظراتها كما هي مشبعة بالصمود، بل وتزداد حدة!   طالبة في الصف الحادي عشر مدرسة حكومية في الأردنّ 

شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك