التعليم عن بعد

حلول وعقبات .. مواجهة شرسة بين التعليم الإلكتروني والكورونا في مصر!

استنشق نفسًا عميقًا وأغمض عينيك للحظات، وعد بذاكرتك للخلف ثلاثة أشهر فقط، حياة طبيعية تمامًا ولا يوجد بها شيء يثير الارتياب أو يدعوك إلى اتخاذ مسارات مفاجئة إجبارية غير التي تسلكها، أليس كذلك؟ 

ثم؟ ظهورٌ مفاجئ لفيروس كورونا بالصين وانتشاره بصورة سريعة أدت إلى نشر الفزع بالعالم، ثم أتت القرارات! والتي تضمنت غلق كامل للمدارس في أغلب دول العالم! 

ونتيجة لسرعة تَبَدُّل الأمور رأسًا على عقب، بدأ المسؤولون في الدول العربية ببحث البدائل المتاحة بأسرع ما يمكن حتى تستمر العملية التعليمية، وانحصرت في الاتجاه للتعليم إلكتروني، فهل تنجح وسائل التعليم الإلكتروني الجديدة؟ ما المشاكل التي تواجهها؟ وهل توجد جهود ذاتية أخرى ونماذج مبشرة؟

مصر تتحول للتعليم الإلكتروني!

حسنًا.. بالحديث أولًا عن الوسائل التي اتبعتها أغلب الدول العربية، نجد أنها أطلقت عدة منصات تعليمية عن بُعد، فقد قامت مصر على سبيل المثال، بإطلاق منصة “إدمودو“ التي تهدف إلى ربط الطلاب بالمعلمين، ومن خلالها يمكن للمعلم أن يُكوّن فصولًا دراسية مع طلاب مدرسته وإعطائهم الواجبات والتناقش معهم. 

كما أنها تُعد المنصة المسؤولة عن تسلُّم الأبحاث الطلابية لتخطي المرحلة التعليمية، وأيضًا خوض الاختبارات إلكترونيًا.

لم تكن منصة إدمودو هي الوحيدة التي أطلقتها مصر، فنجد أيضًا موقع “بنك المعرفة المصري“ الذي يحتوي على شرح للمواد الدراسية في صورة ملفات رقمية مقروءة، و“منصة البث المباشر للحصص الافتراضية“ التي أطلقها موقع وزارة التربية والتعليم بمصر، وتتيح حصصًا دراسية يتم بثها بشكل مباشر للطلاب بمواعيد محددة. 

علاوة على ذلك أتاحت وزارة التربية والتعليم المصرية سبلًا إضافية للمعلمين والطلاب كي يمارسوا عملية التعلم بكفاءة عالية، ومن ضمنها “قاعة دراسة جوجل“ وهو موقع تابع لجوجل يساعد المعلمين والطلاب على التواصل وتنظيم الوقت وتحميل الفيديوهات التعليمية والواجبات وغيره من الملفات الرقمية الأخرى. 

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فهناك تطلعات إيجابية إلى قيام منصة “مدرسة“ التي تم إطلاقها ضمن مبادرة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى التعاون مع بنك المعرفة المصري لبحث تطوير عملية التعليم عن بعد في العالم العربي. 

بالنظر إلى كل الخطوات السابقة، نجد تحركًا حكوميًّا حقيقيًّا لمحاولة التكيف مع الأزمة وعدم إيقاف العملية التعليمية بالكامل، لكن كل نظام جديد يواجه عدة عقبات.

تعقيم المدارس المصرية

فما هي أبرز العقبات التي يواجهها نظام التعليم الإلكتروني المصري؟ 

قبل التطرق لهذا الأمر، يجب التنويه بأن جميع نظم التعليم في العالم تتعرض إلى ذات المشاكل حيث إن الأزمة عالمية، وقد طالت ما يزيد عن 50 نظامًا تعليميًّا بمختلف الدول.

أولًا: افتقار الطلاب إلى الإمكانيات المطلوبة للتعلم الإلكتروني

بالنظر إلى شرائح الطلاب بمصر، نجد أن هناك فئاتٍ كاملةً لا تمتلك سبيلًا للدخول إلى منصات التعليم الإلكتروني، فلم تصل خدمات الإنترنت إلى الكثير من القرى.

على الجانب الآخر، يفتقر معظم الطلاب إلى معرفة كيفية التعامل مع التكنولوجيا الرقمية، وهو ما يضع حاجزًا بينهم وبين عملية التعلم الإلكتروني.

ثانيًا: ضعف قدرات المدرسين في عرض محتوى مرئي

الشرح التفاعلي المباشر بالفصول الدراسية جانب، والشرح من خلال “فيديو“ جانب آخر تمامًا، حيث إنه لتعزيز عامل “التفاعل“ عندما تتعامل مع الطالب عن بعد، يتوجب إضافة عددًا من المؤثرات البصرية بالفيديوهات، واختيار زوايا تصوير وإضاءة وأماكن مناسبة، واختيار كاميرات عالية الجودة، وغيرها من العوامل المتعددة التي تجتمع كي تُنتج في النهاية فيديوهات تعليمية شيقة تقوم بجذب الطالب لعملية التعلم. 

في الحال الطبيعي لا يتوجب على المعلم أن يكون على علم بكل فنيات التصوير السابقة، أو حتى يمتلك الإمكانيات لذلك، لكن مع الاتجاه السائد للتحول الكامل إلى التعلم الإلكتروني، قد يتطلب الأمر أن يبدأ المدرسون في تعلم تلك الأمور كي يتمكنوا من التكيف في تأدية مهامهم.

ثالثًا: عدم تواجد رقابة فعلية على الامتحانات الإلكترونية

تعد الامتحانات الإلكترونية واحدة من أكبر العوائق التي تقف في ظل عملية التقييم الصحيحة، فهناك الكثير من أولياء الأمور الذين يقوموا بخوض الامتحانات بدلًا من أبنائهم، كما أن هناك مئات النماذج من الطلاب الذين يقومون بجلب الإجابات من “جوجل“ أثناء الامتحان، أو حتى معرفتها من خلال مجموعات الواتساب! 

رابعًا: سوء خدمات الإنترنت بمصر 

قبل الحديث عن خدمات الإنترنت بمصر، أتمنى أولًا أن تكتمل عملية إرسال هذا المقال، فلا أضمن أن تسعفني سرعة الإنترنت في ذلك! 

حسنًا.. نفتقر هنا إلى إمكانيات إنترنت عالية، فإن امتلك الطالب جميع الإمكانيات التي تؤهله إلى الخوض في عملية التعليم الإلكتروني، كالمعرفة الرقمية وتوافر أجهزة الحاسب، قد يواجه بلا شك بطء أو انقطاع في الإنترنت أثناء التعلم أو حل الاختبارات، وتعد تلك من أكبر عوائق التعلم الإلكتروني بمصر على الإطلاق!

خامسًا: حداثة التعلم الإلكتروني وعدم الاستعداد له

كما ذكرنا في البداية، جاءت قرارات إيقاف التعليم المدرسي على أرض الواقع بشكل مفاجئ وإلزامي على الجميع. وحتى لا تضيع السنوات الدراسية المؤجلة من عمر الطلاب؛ توجهت الدول إلى نظام التعليم الإلكتروني بالكامل، دون تدريب الطلاب والمعلمين على التعامل مع الوسائل الرقمية الحديثة، وهو ما سبب فجوة كبيرة في عملية التعلم، وأصبحت متاحة فقط لمن قاموا بتطوير أنفسهم! 

سادسًا: الأبحاث الدراسية لطلبة المدارس قد تتخطى قدرة الطلاب

بالنسبة لطلبة المدارس، فقد أقرت وزارة التربية والتعليم أن طلاب سنوات النقل من الصف الثالث الابتدائي حتى الصف الثالث الإعدادي سوف يتم نقلهم إلى المراحل التالية من خلال تسليم الطالب لأبحاث تُقترح عليهم من الوزارة، ويتم إنجازها إما بشكل فردي أو جماعي. 

رغم أن الموضوعات البحثية المطروحة قد تكون بسيطة، إلا أن الطلاب في هذه السنوات قد لا يكونوا على إلمام بكيفية البحث على الإنترنت، وهو ما يتطلب تدريبًا مسبقًا على ذلك.

وأيضًا: ماذا عن الأماكن التي تقوم بعمل أبحاث للطلاب مقابل نظير مادي؟ أو أولياء الأمور الذين يُنجزون الأبحاث بدلًا عن أبنائهم؟ 

ألن تكون تلك مشكلة في عملية التقييم؟ وهو ما يضع العمليات التعليمية لطلاب تلك السنوات في خلل كبير يُحوِّل عملية التعليم إلى عملية صورية لا أكثر! 

سابعًا: امتحانات الثانوية العامة واعتراضات عليها في ظل الأزمة

أكد وزير التعليم المصري الدكتور طارق شوقي، أن امتحانات الثانوية العامة سوف تعقد ورقيًّا في موعدها بضوابط صحية مشددة، وهو ما أطلق موجة من الاعتراضات على الأمر، وكان أبرزها قرار مدارس النيل المصرية بإلغاء امتحانات الثانوية العامة لطلابها، وهو ما دفع العديد من طلاب المدارس العامة المصرية بكتابة هاشتاج “#الثانوي_رافض_النزول_شوفولنا_حلول“ للتنديد بعقد امتحانات الثانوية العامة في ظل الأزمة، لكن رغم ذلك يظل الوضع كما هو عليه حتى صدور قرارات أخرى! 

طلاب الجامعات بين مشكلة الأبحاث الدراسية بسنوات النقل وامتحانات التخرج!

أحد الحلول المقترحة التي تم تقديمها من وزارة التعليم العالي لطلاب الجامعات بسنوات النقل، هي أن تسير الجامعة على أحد المسارين بناءً على إمكانياتها، أولهما أن يقوم الطالب بتقديم مشاريع بحثية متعلقة بالمقررات التي يدرسها، وثانيهما أن تقوم الجامعة بعقد امتحان إلكتروني للطلاب، وتقوم كل جامعة بالاختيار أو التنويع بين الطريقتين وفق ما يتناسب معها! 

لكن تكمن المشكلة هنا في عدة أمور، الأمر الأول هو احتمالية تعثر الطالب في عمل البحث، حيث إن الدور الرئيس للأستاذ الجامعي هو شرح المنهج العلمي وتوجيه الطالب، فكيف يقوم الطالب بعمل مشروع بحثي في مقرراته إن لم يدرسها بالشكل المطلوب أو حتى لم يتم توجيهه؟ 

أما الأمر الثاني هو سنوات النقل بالنسبة لطلاب الكليات العملية كالطب والصيدلة على سبيل المثال، حيث تم تأجيل التدريبات والاختبارات العملية لهم حتى تعود الدراسة من جديد، وهو ما يؤخر طلاب الكليات العملية عن أقرانهم في الكليات الأخرى! 

وبالنسبة لسنوات التخرج، فقد صدرت القرارات بعدم التخرج إلا من خلال امتحانات واقعية بمقرات الجامعات، على أن تعقد عندما تعود الأمور لطبيعتها ويتم استئناف الدراسة مرة أخرى، وهو ما يضع طالب التخرج في قاطرة انتظار للأزمة، أما بالنسبة للطلاب الذين يتوقف تخرجهم على تخطي امتحانات مادة أو مادتين فقط، فكان الله في عونهم! 

بعد عرض أبرز الوسائل المُستخدمة في عملية التعليم الإلكتروني وأيضًا أغلب المشاكل التي تواجه الأمر، هل هناك جهود ذاتية وتجارب طيبة للتكيف مع الأزمة؟

بالتأكيد يوجد؛ فالأزمات الكبيرة دائمًا ما تدفع المفكرين إلى إيجاد حلول جديدة عندما يصبح التكيف معها لا مفر منه! 

فنجد العديد من المدرسين الذين قاموا بإنشاء قنوات يوتيوب للتدريس من خلالها، ونجد أيضًا قيام بعض الطلاب بالبحث عن مصادر التعلم بغض النظر عن ناشرها – سواء كانت عالمية أو إقليمية –.

ولم يتوقف الأمر هنا فقط، فقد اتجهت العديد من المدارس والجامعات إلى إطلاق تطبيقات ومنصات رقمية خاصة بها تقوم بربط الطلاب بالمعلمين، ونجح بعضهم بالفعل في إنهاء المناهج وصنع عملية تفاعلية بين أطرافها.

على سبيل المثال قامت العديد من المدارس الخاصة التي تقع في نطاق محافظتي القاهرة والجيزة بمصر بتحويل عملية التعليم كي تكون من خلال الإنترنت منذ بداية صدور قرار إيقاف الذهاب إلى المدارس، واستطاع عدد لا بأس به من تلك المدارس بإنهاء المواد الدراسية بالفعل، وتقييم الطلاب ومتابعتهم عن بعد بالكامل، وعلاوة على ذلك، قامت بعض المدارس بعمل أنشطة رياضية تحفيزية للطلاب من خلال الفيديوهات، وإتاحة الفرصة لأولياء الأمور بإرسال تعليقاتهم على عملية التعلم من خلال مجموعات الواتساب!

هل توقف الأمر هنا؟ بالطبع لا، فقد نجحوا في متابعة التلاميذ وأولياء الأمور وتوجيههم في جميع عمليات البحث الإلكتروني، وكيفية التعامل مع المواقع والتطبيقات الخاصة بهم، وكيفية تسليم الأبحاث، وهو ما يعد تجربة رائعة قدمتها تلك المدارس لعملية التعلم عن بعد في ظل الأزمة الحالية. 

في النهاية يُعَدُّ التعليم قيمة خاصة بك بصرف النظر عما إن كنت تجلس أمام معلم أم لا، فلا يوجد الآن غياب أو حساب، أنت فقط متواجد في منزلك، وإن كنت تمتلك إنترنت وحاسب آلي، أصبحت تتوافر لك سبل التعليم المتواجدة بالعالم كله. 

وبالنسبة للمعلمين أصبحتم تمتلكون الوقت الكافي لتعلم الطرق الجديدة في عملية التعليم، التي من خلالها يمكنكم نشر علومكم بين طالبي العلم سواء كان ضمن التلاميذ بمنطقتك، أو حتى من مكان آخر بالعالم!

 أصبح الأمر بالكامل يعتمد على بعض الوقت حتى نحصل في النهاية على تجربة عالمية جديدة، يمكن للمنزل فيها أن يصبح مكانًا للتعليم والتعلم، فهل ينجح التحول الإلكتروني للتعليم مع الوقت؟ 

مواضيع ذات صلة:

في عصر فيروس كورونا.. هل يحل التعليم البديل الأزمة؟

معلمون وطلاب أون لاين.. تحديات التعليم عن بعد في الجزائر !

بفضله تعدل معلمة عن فكرة التقاعد.. التعليم عن بُعد يُدهش “الإيجابيين” بنتائجه

التعليم عن بعد في الأردن .. هل نشكر كورونا على هذا التحول؟!

المصادر:

مجتمع منصة “مدرستي“ تبحث تطوير التعليم مع بنك المعرفة المصري

رسميا.. مدارس النيل تلغي امتحانات الثانوية العامة

قرارات وزارة التعليم العالي بالنسبة لسنوات النقل والتخرج 

عمر طارق

“أهتم بقضايا العلم والتقنية والتعليم في المقام الأول، كما أعشق البحث والكتابة”
زر الذهاب إلى الأعلى