صراع على التعليم في مصر: طلاب الأزهر بين الثورة والانقلاب

7 سبتمبر , 2021

“أسماء” طالبة جامعية أزهرية، في مصر، تقبع في سجون الانقلاب منذ ديسمبر 2013، وتحديدا وقت امتحانات آخر العام تم اعتقالها وخلع حجابها وضربها في حرم الجامعة. ليست أسماء فقط من تتعرض لانتهاك حقوقها، فهناك العشرات من الطالبات الأزهريات قابعات في سجن القناطر للنساء، وسجن الأبعدية بمحافظة البحيرة في مصر، ويعشن وسط معاملة سيئة واعتداءات واضطهادات من قبل الجنائيات وإدارة السجن.

إن حركة طلاب ضد الانقلاب بجامعة الأزهر حركة طلابية، تؤكد لـ”شبكة زدني” أنه لا يقتصر هذا الوضع على الطالبات المصريات، بل طال الطلاب المصريين أيضًا، بين اعتقال وتغييب وراء السجون بأحكام تصل لخمس سنوات، وعمليات قتل متعمدة، أو بإصدار أحكام قضائية بالإعدام بحق الطلبة؛ بسبب رفضهم الانقلاب العسكري، ورفضهم التضييق الأمني ووجود قوات الأمن داخل الحرم الجامعي.

“إبراهيم اليماني”، طبيب امتياز بجامعة الأزهر فرع أسيوط، والمُضرب عن الطعام منذ ما يزيد عن عام، اعتقل أثناء إسعافه مصابين أصيبوا أثناء مشاركتهم في فعالية ضخمة يوم 16 أغسطس 2013 من قبل قوات الأمن المصرية، فتم اعتقاله فقط لأنه يسعف الطلاب، وتم تأجيل محاكمته حتى الآن، وهو مُضرب عن الطعام منذ اعتقاله ويعاني العديد من الأمراض.

حق مسلوب

مرصد أزهري للحقوق والحريات، وهو مرصد حقوقي، يقوم برصد كل الانتهاكات التي تحدث بحق الطلاب في مصر، أصدر تقريرًا عن وضع الطلاب خلال العامين الماضيين، تحت عنوان “قانون مكتوب وحق مسلوب”.

يفيد المرصد بأنه وخلال العام الدراسي 2013 – 2014، بلغ عدد الطلاب الذين تم قتلهم خارج إطار القانون 79 طالبًا وطالبة، بينما اعتقل 809 طالبًا و127 طالبة اعتقالًا تعسفيًا مخالفًا للقانون، حُكِمَ على أغلبها بالسجن (381 طالبًا، و43 طالبة). في حين أنه تم إخلاء سبيل 225 طالبًا و114 طالبة.

وبحسب المرصد فإن عدد حالات الفصل التي طالت طلاب جامعة الأزهر دون تحقيق بلغت 151 حالة بحق الطلاب، و159 حالة بحق الطالبات.

وفيما يخص العام الدراسي 2014-2015، يؤكد المرصد على استمرار الانتهاكات بحق الطلاب، فقد قتل 6 طلاب. واعتقل 227 طالبًا و89 طالبة، حُوّل 41 منهم للمحاكمة في القضاء العسكري. وبلغ عدد الطلاب والطالبات المختطفين 41 طالبًا و7 طالبات، منهم 5 طلاب لا يزالون قيد الإخفاء القسري، ولا يُعرف مكانهم حتى الآن.
وبحسب المصدر، فإن حالات الفصل التي طالت الطلاب دون تحقيق، بلغت 104 حالة بحق الطلاب، و141 حالة بحق الطالبات.
ويشير المرصد إلى أن جامعة الأزهر فرع البنات، جرى اقتحامها من قبل قوات الأمن المصرية، 8 مرات خلال العام الدراسي.

اتحاد طلاب مصر: الجامعات المصرية أصبحت سجنًا كبيرًا

ويؤكد نائب رئيس اتحاد طلاب مصر، أحمد البقري لـ”شبكة زدني” على أن الانقلاب العسكري دمر الماضي والحاضر والمستقبل، فليس بعد قتل الطلاب داخل حرم الجامعة شيء، فالجامعات المصرية كلها أصبحت سجنًا كبيرًا، وأصبح العسكر شغله الشاغل كيف يدمر هذا الجيل ويكسر إرادته ويذله.

ويضيف البقري أنه خلال العامين 2014 و2015 يوجد 21 طالب شهيد بعضهم قتل داخل الجامعات والآخر في مظاهرات، إضافة لـ140 حالة اعتقال تعسفي لطلاب دون تصريح، و584 حالة فصل إداري من الجامعات العامة وجامعة الأزهر، وحرمان 152 طالب من دخول الامتحانات خلال العام الجامعي 2014- 2015، إضافة لـ 329 حالة إخفاء قسري.
ويشير إلى وجود 119عملية اعتقال بحق الطالبات، منهن 15 طالبة ما زلن قيد الاعتقال التعسفي، وأكثر من 70 عملية اقتحام لحرم الجامعات، وأكثر من 120 حالة اعتداء من قوات الأمن الإداري للجامعات على الطلاب، لافتًا إلى تحويل 237 طالب من بينهم 5 طالبات للمحاكمة العسكرية.

نتائج امتحانية مسيسة

لم تكن تتوقع “ريهام” طالبة الثانوية العامة الأزهرية، أن تخفق في النجاح، وترسب بثلاث مواد في دراستها، رغم أنها من المتفوقات بين زميلاتها وكانت تحلم بدخول كلية الطب، إلا أن السياسة التي انتهجتها حكومة الانقلاب العسكري في مصر طالتها، هي وعشرات الآلاف من الطلاب والطالبات التي وصفها متخصصون بأنها نتيجة مسيسة، وتهدف إلى تقليل عدد الطلاب الوافدين إلى جامعة الأزهر، وتقليل حدة المظاهرات والفعاليات الرافضة لحكم العسكر في مصر.
تقول ريهام لـ”شبكة زدني” أنه في مدرستها الواقعة في إحدى مراكز محافظة الفيوم، تضم حوالي ألفين طالبة، لم ينجح فيها سوى عشرة طالبات فقط، وهي ما وصفته بأنه نتيجة مقصودة قائلة: “ما يحدث لطلاب وطالبات الثانوية العامة الأزهرية هو أمر مقصود، لتربية الطلاب على قيامهم بمظاهرات ضد انقلاب العسكر”.
نتيجة الدور الأول للشهادة الثانوية الأزهرية، بقسميها العلمي والأدبي، للعام الدراسي 2014-2015، أثارت شكوك الطلاب وأولياء الأمور ونشطاء ومغردين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول أسباب محاولات النظام المصري تقليل نتيجة طلاب الثانوية الأزهرية في الوقت الذي لا تقارن بحال من الأحوال بنتيجة الثانوية العامة، والتي بلغت نسبة النجاح فيها هذا العام إلى 79.4%.

وتشير الأرقام والإحصائيات الرسمية للأعوام الخمسة الماضية، إلى أن نسبة النجاح في الثانوية الأزهرية قبل الانقلاب العسكري على الرئيس المصري محمد مرسي، كانت تتراوح ما بين 60% إلى 80% [1].

وفي الوقت الذي لم تزد فيه نسبة النجاح في الثانوية الأزهرية على40% منذ الانقلاب، باتت تسجل انخفاضًا بشكل تدريجي كل عام. فكانت هذه النسبة عام2011 وهو عام ثورة 25 يناير قد وصلت 60%، في حين بلغت نسبة النجاح لعام 2014 وهو أول عام يؤدي فيه طلاب الثانوية الأزهرية امتحاناتهم في ظل الانقلاب العسكري 41.63%، ومن ثم جاءت نتيجة هذا العام 2015 بنسبة نجاح 28% فقط [2].

بلغت نسبة النجاح للقسم الأدبي في الثانوية الأزهرية حوالي 25.8%، في حين بلغت نسبة النجاح للقسم العلمي 40.2%، وبلغت نسبة النجاح الإجمالية للشهادة الثانوية الأزهرية 28.1%؛ حيث تقدم للامتحان 121 ألف و722 طالب وطالبة. نجح في الدور الأول منهم حوالي 337 ألف و96 طالب وطالبة، وبقي للدور الثاني 589 ألف و76 طالب وطالبة، وهو ما يعني إخفاق أكثر من 50 ألف طالب وطالبة لأول مرة في تاريخ الأزهر. [3]

تفكيك مؤسسة الأزهر

ويفيد محمود الأزهري، المتحدث باسم طلاب ضد الانقلاب بجامعة الأزهر، في حديثه لـ”شبكة زدني” بأنه وبعد الانقلاب العسكري وظهور الحراك الطلابي القوي في جامعة الأزهر، وخوف النظام على سلطته من هذا الحراك، بدأ التوجه في عمليه تفكيك للمؤسسة الأزهرية وعلى رأسها الجامعة، فكانت نتيجة الثانوية الأزهرية، أول خطوة لتقليل عدد الطلاب القادمين للجامعة.
ويشير إلى أن هذه النتيجة كونت كره الأهالي للأزهر، وخوفتهم على مستقبل أولادهم، لافتًا إلى أن هذه النتيجة جاءت أيضًا لتقليل نسبة النجاح داخل الكليات في الجامعة الأزهرية، حتى يحدث حالة من الفتور لدى الطلاب الباقيين للإعادة، وقد يفكروا بالتحويل من الجامعة.
ويؤكد الأزهري على أن المناهج الدراسية ليست السبب في ما وصلت إليه الثانوية الأزهرية، ولكن السبب هو عمليه تفكيك من النظام للمؤسسة ككل، فالسلطة الحالية تدرك أن من أهم أدواتها لفرض سلطتها هو السيطرة على الأزهر، ولنكن صرحاء لم يتمكن مستبد من فرض هيمنته على المجتمع، إلا بعد أن عزل الأزهر عن المجتمع، ومنعه من القيام بدوره، بل وادخاله في مرحلة التراجع والتدهور.
ويلفت إلى أنه وبدل من أن يكون الأزهر جزءًا من الأمة ونضالها من أجل التحرر، وقفت قيادة الأزهر مع السلطة المستبدة، وشاركت في إجهاض ثورة يناير التي لم تؤيدها أساسًا، لتقوم قيادة الأزهر بالدور الذي رسم لها منذ سيطرة الدولة المستبدة عليه.

الهروب من التعليم الأزهري

أحمد حسن موظف مصري، أب لثلاثة أبناء كانوا يدرسون في الابتدائي والإعدادي الأزهري، قبل أن يقوم بتحويلهم إلى التعليم العام بعد سماعه نتيجة الثانوية الأزهرية، والذي وصف ما حدث بأن الحكومة تقوم بعملية “تطفيش” للطلاب، للتخفيف من حدة المظاهرات الطلابية بجامعة الأزهر.
يقول حسن لـ”شبكة زدني” إن السياسة دمرت التعليم الأزهري بسبب ما يحصل لأبنائنا الطلاب. فهل يُعقل أن تأتي نتيجة لمدرسة ثانوية أزهرية بأنه لم ينجح فيها أحد! لذلك سارعتُ بنقل أبنائي، لأنهم متفوقون وسيظلمون في ظل هذا النظام الذي ينتقم من معارضيه بجميع الوسائل المتاحة له. ويتابع قائلا: “يقومون بمعاقبة الطلاب بمنعهم من تنظيم مظاهرات مرة أخرى، إضافة لتقليل عدد الطلاب المنتسبين للجامعة هذا العام”.
حالة أحمد حسن، تكررت مع آلاف الأسر التي قامت بتحويل أبنائها، حيث أعلنت مديريات التربية والتعليم بالمحافظات، عن ارتفاع معدل التحويل من التعليم الأزهري للتعليم العام بشكل غير مسبوق، خلال الأيام الماضية، بعد ظهور نتيجة الثانوية الأزهرية.
وبلغت أعلى نسبة للتحويل وفقًا لتقارير إدارة شؤون التعليم والطلاب بمديريات التعليم في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ومن الصف الأول الثانوي الأزهري للثانوية العامة. وارتفع معدل التحويل عن نسبة الـ30%، وهي النسبة المخصصة لقبول التحويل في أي مدرسة من التعليم العام والخاص والأزهري.
ورفضت الإدارات والمديريات التعليمية، قبول تحويلات أعداد كبيرة من طلاب المعاهد الأزهرية بمختلف مراحلها؛ لعدم وجود أماكن شاغرة بالمدارس الحكومية، واصفة ما يحدث بظاهرة الهروب الجماعي من الأزهر للتعليم العام بسبب قلق الأهالي على أبنائهم الطلبة.

وتفيد الأرقام الصادرة عن رئاسة قطاع المعاهد الأزهرية، إن عدد الطلاب الذين حولوا من التربية والتعليم إلى الأزهر بلغ نحو 47 ألف طالب وطالبة، فيما حول ما يقرب من 52 ألف طالب وطالبة من الأزهر إلى التربية والتعليم. [4]قلق الأهالي الذي يدفع بهم لنقل أبنائهم من التعليم الأزهري للتعليم العام، يأتي ضمن مخطط إلغاء تراخيص كافة المعاهد الأزهرية في القرى والنجوع، والتي وصفها مراقبون بأنها تأتي في سياق ضرب التعليم الديني، مثل الحال في الباكستان، وقيام الحكومة هناك بحملة أغلقت فيها المدارس الدينية، وقامت بتجفيف منابعها المالية، وحاصرتها، وعدلت مناهجها بما يخدم التوجهات الأمريكية.
قرية “المنشية الجديدة” بمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية بمصر، تشهد واقعة إغلاق معهد “طلعت خاطر” الابتدائي، والذي تم تأسيسه عام 1997م، مما أثار غضب واستياء الاهالي، لأنهم سيضطرون لتعليم أبنائهم خارج القرية، بالرغم من أن المعهد مبني كصدقة جارية، وكان من المقرر إنشاء مبنيين للمرحلة الإعدادية والثانوية.
الأمر ذاته تكرر في قرية “سملا” التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، حيث قرر لمجلس الأعلى للأزهر بإغلاق معهد “الجيل الصالح”، بدعوى أن إدارته تتبع لجماعة الإخوان المسلمين، وأنهم يؤثرون على أفكار الطلاب، وقد اضطر الأهالي بسرعة لتحويل أبنائهم للتعليم في معاهد أخرى، الأمر الذي أثار غضب أولياء الأمور ورفضهم لهذه القرارات.

منهج فقهيّ جديد

ولم تنجُ مؤسسة الأزهر وبحسب علماء الدين من تأثير الانقلاب العسكري، فبمجرد الانقلاب على أول رئيس مصري منتخب، تعرض الأزهر كمؤسسة دينية لهجوم حاد من بعض المثقفين، مطالبين بتعديل المناهج الأزهرية لمواكبة العصر.
واستجابت حكومة عبد الفتاح السيسي لهذه الدعوات، حيث أعلن وكيل الأزهر في وقت سابق، عن حدوث تغيير شامل في المواد الشرعية والعربية للمرحلتين الثانوية والإعدادية، وأن المرحلة الحالية ستشهد طفرة تعليمية كبيرة لم يشهدها الأزهر من قبل مع بدء تعديل وتخفيف المناهج الأزهرية بما يتناسب مع التطورات العصرية، وأن العام الحالي سيشهد لأول مرة منهجًا فقهيًا جديدًا على المذاهب الأربعة للمرحلة الإعدادية، بعد أن تم تعديله بصورة تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه.

********
[3] [2] [1]شبكة رصد http://www.rassd.com/150237.htm
[4]موقع مدرس اون لاين http://www.modars1.com/t46548-topic

شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك