الأدب

فاصل دون عودة

ها قد مرت خمس سنين على وجودي بمدرستي, خمس سنين, في كل يوم منها كنت أزداد تعلقا بمدرستي وصديقاتي أكثر وأكثر دون أن أشعر بذلك, في كل سنة .. كان هناك أمل بالعودة, بل كانت العودة حتمية إلى مدرستي, إذ لم يكن هناك أي عائق أو أي سبب يجعلني أبتعد عنها أو أتركها.. في أول سنة لي فيها -في الصف السادس- تعرفت على صديقاتي, وأحببتهن حبا جما, حبا بريئا لا يشوبه أي نوع من الخبث, ممزوجا بألوان الطفولة, تملؤه الشفافية, يملؤه النقاء, تملؤه الرقة, نملؤه نحن, بطفولتنا ببرائتنا, بكل ما فينا .. ما أجمل الطفولة ! ثم يقطعنا فاصل -العطلة الصيفية- نفرح بها, نستريح من الدراسة نمرح و نلعب, ثم تحن الطفولة لأصدقائها, نشتاقهم كثيرا .. ثم نعود, عام دراسي جديد -الصف السابع- نفرح كثيرا بلقاء أحبتنا, نتعلق ببعضنا كثيرا, نخط الذكريات الجميلة معا, وتبدأ الطباشير برسم طموحاتنا عاليا عاليا, فوق السحاب, نخطىء ونتعلم من أخطاء بعضنا, تتفتح زهور الطفولة, نلعب في ساحة مدرستنا ألعاب الطفولة : (طاق طاق طاقية ), (فتحت الوردة), (دور يا صحن السكر), (ليلى يا ليلى), (سنافر سنافر) وغيرها الكثير. ثم يقطعنا الفاصل نفسه – العطلة الصيفية – نشتاق للكتب, للدفاتر, للأقلام, للخواطر المكتوبة في أواخر الدفاتر والكتب … ثم نعود، عام دراسي آخر -الصف الثامن- نكبر ونكبر, ويكبر تفكيرنا, سنة دسمة بعض الشيء, مرحلة المراهقة, يظهر الإبداع والتميز, نمر بمراحل صعبة لكننا نساند بعضنا دائما، فنحن كالجدران لبعضنا يستند عليها في وقت الحاجة. في هذه السنة ننهمك بالدراسة كانهماك النمل في جمع طعامه للشتاء. ثم يقطعنا فاصل آخر, نشتاق لصفنا, لضحكنا, للعبنا, للهونا, نشتاق لصراخنا لشجاراتنا, حتى أننا نشتاق للحقلات التي كنا نقيمها في الخمس دقائق ما بين الحصة والأخرى … للسندويشات التي كنا نأكلها في الحصة خلسة عن المعلمة. ثم نعود, عام دراسي جديد, مرحلة أخرى – الصف التاسع – نأخذ قسطا من الراحة, يتجزؤ كتاب العلوم الضخم إلى أربعة كتب، نتعلق بمدرستنا, بمعلماتنا, بصديقاتنا, نتعلق بكل شيء, نتعلق بأنفسنا… نحنُّ للطفولة … نلعب الألعاب التي كنا نلعبها في طفولتنا في ساحة مدرستنا . ثم يقطعنا فاصل, نشتاق للصف, للمدرسة, للمعلمات, نشتاق كل شيء…يزداد الاشتياق…فتزداد المحبة بالاشتياق, يزداد التعلق بالأصدقاء. ثم نعود, أجمل عودة – الصف العاشر- أجمل سنة دراسية أمضيتها في حياتي, نخطىء في حق بعضنا, وبالمقابل نسامح, نتعلق ببعضنا, تتوثق روابط الصداقة, لا يستطيع فكها أي أحد, فهي كمركب كلوريد الفضة لا يذوب في الماء بسبب الرابطة القوية بين جزيئاته, نتعلق ببعضنا أكثر وأكثر .. لا مجال للتفكير, بل لا مجال للتخيل بأننا سنفترق…هي سنة تختلف عن كل السنوات, سنة مختلفة بكل ما فيها, تغيرنا فيها كثيرا – للأفضل طبعا- , أحببنا بعضنا حبا كبيرا حدوده السماء, هي السنة الفاصلة, الفارقة, هي السنة التي جمعتنا بقلب واحد, وستفرقنا أشتاتا من القلوب…يأتي الفاصل في هذه المرة فاصلا مرا صعبا علينا, فاصلا قاسيا لا تتحمله قلوبنا, ضخما لا يمكننا استيعابه. ها قد أتى الفاصل الذي كنا خائفين منه فلم نحسب له حسابا, كل واحدة منا لها طموحها, وطموحانتا لها ثمن, وكان ثمن طموحاتنا الإفتراق, هو فاصل ضاقت به صدورنا فلم تتحمله, في هذا الفاصل سنشتاق أشياء أخرى غير التي كنا نشتاقها سابقا, سنشتاق النوافذ الأبواب, سنشتاق الجدران, الممرات, سنشتاق الصفوف التي ارتدناها, سنشتاق للوحنا المقشر, لطاولتنا المهترئة, لأدراجنا, سنشتاق المصلى الذي كنا نصلي جماعة فيه, سنشتاق للطباشير التي خربشنا بها ورسمنا بها, سنشتاق لخرابيشنا على الجدران, لكلماتنا التي لطخنا بها الجدران, سنشتاق للزوايا التي جلسنا نتحدث فيها, سنشتاق لسلة النفايات التي كنا نتداور على كبّها في الحاوية, سأشتاق ليومي في تنظيف الصف, سنشتاق كل اللحظات التي عشناها في ربوع مدرستنا الغالية… سأشتاق لإذاعتي, لرفعي لعلم بلادي, سأشتاق لصلاة صليناها معا في رحاب مدرستنا, سأشتاق يوما تعاونا فيه ونظفنا فيه مدرستنا العزيزة, سأشتاق كل الأيام…سأشتاق لمدرستي لمعلماتي لصديقاتي … لكل شيء, سأشتاق لحبات المطر التي كانت تتربع على نافذة صفنا, سأشتاق أشعة الشمس التي كانت تغزو نافذة صفنا لتضيء لي المكان, سأشتاق لكل شيء, لكل شيء…لأي شيء…سأشتاق لصديقاتي…سأشتاقهم, وأي شوق سأشتاق, صعب علي فراقهم, بعد أن تعلقت بهم, بعد أن أصبحوا قطعة مني وأصبحت قطعة منهن, بعد أن أصبحنا جسدا واحدا, وهل سيفترق الجسد ؟! سأشتاق لمدرستي كثيرا كثيرا…فهي التي جمعتني بأحبتي, هي ملتقانا, هل ستشتاقني كما أشتاق لها وسأشتاقها ؟!! بعد كل فاصل, كان لا بد من عودة, لكن في هذا العام هو فاصل دون عودة…لا عودة بعده!.  

إيمان العموش

طالبة في كلية الطب – الجامعة الأردنية، مراسلة الشبكة من الأردن،
زر الذهاب إلى الأعلى