رؤية مثقف

قم للمعلم ووفه التبجيلا

محزن جدًا أن يكون أول شعر أحفظه في حياتي هو ما قاله أحمد شوقي  في حق المعلم، ليكون بذلك دليلا قاطعا وأنا أمارس سنواتي المدرسية الأولى مع معلميّ على أن الشعر شيء والحقيقة شيء آخر. لن أعمم هنا وأساهم في الحط من مكانة المعلم المفترضة، ولا بد لي أن أعترف بفضل بعض المعلمين، متنكرة في المقابل لفضل البقية الغالبة، بل هو في بعض الأحيان ليس فضل بل نقمة أيضا. كيف جيء بهؤلاء الناس الينا نحن الأطفال الصغار، لا يزال عودنا المعرفي يشتد، ليأتي منهم من يكسره لمرة واحدة ومدى الحياة. بل ان الوضع يزداد سوءا، فبعد أن كان حلم الآباء في جيل مضى أن يصير ابنهم مدرسا حالما يكبر، فيتقدم للمهنة خيرة الطلبة، صارت اليوم عارا، ويستلم زمامها، الطلبة الأقل تحصيلا.. ممن تقطعت بهم السبل! هل هذا ما يحصل مع أحد مفاتيح المدارس الفنلندية؟ المعلم؟


في المدرسة الفنلندية الفاضلة عند اختيار المعلم فانه يؤخذ بعين الاعتبار ثلاثة معايير أساسية للمترشحين: التحصيل الأكاديمي، مهارت التواصل ومدى الدافع للتدريس. يتقدم عادة للترشح لحيازة مثل مهنة حساسة كهذه، الطلبة الجامعيين ضمن العشر في المائة الأوائل، وهم بالتأكيد وجب حيازتهم قبل كل شيء اللقب الجامعي الثاني (ماستر). قد يكون هذا المترشح ممن درسوا الطب أو المحاماة أيضا.

هذه أول الطريق وحسب. يتم تأهيل المترشحين نظريا على مدارعام كامل، قبل دخولهم في مسار متخصص لتأهيلهم كمعلمين على الصعيد التطبيقي العملي، ليبدؤوا اثرها في الدخول الى الصفوف المدرسية بمرافقة مرشدين، ثم التدريس على أزواج، بمعنى كل زميلان اثنان، بمراقبة المرشد الذي يقدم لهم تغذية رجعية بعد تمرير دروسهم التجريبية.

يعتبر المعلم بكل بساطة في فنلندا وهو ما يتوافق مع النظرة التاريخية لمن شغل منصبا كهذا من النخبة المثقفة الأرفع في المجتمع، وهو ما تعتز به فنلندا كدولة، بأنها حافظت على قيمة المعلم ومكانته المرموقة المتوارثة، ولم ترد به الى طبقات دنيا. ولأن هذا المعلم هو من النخبة، فان المدارس والجهاز التعليمي سيوفر على نفسه لاحقا عناء فرض البرنامج التدريسي، كيف ومتى.. فالادارة تقوم في حقيقة الأمر بوضع الهدف النهائي الذي وجب على المعلم أن يخرج به وتلاميذه، وتترك له المساحة الكافية والحرية التامة في اختيار الأسلوب الأنسب والطريق الأمثل الذي يراه أثناء ممارسته العملية التدريسية. لا يقوم المعلم فقط بكتابة ورقة الامتحان، بل هو فاعل على مدار العام، ولا تظهر غرفة المعلمين في المدرسة، على أنها استراحة من عناء لا يطاق، بل هي خلية نحل لا تكل، يتداول فيها المعلمون أطراف الحديث عن تجاربهم ورؤاهم، ويطورون بأنفسهم برامج التدريس وكيفية تمرير المواد بالصورة الأمثل.

يرافق المعلم تلميذه معظم سني تعليمه المدرسي، ويلعب دورا رئيسيا في حياة أي منهم، ولهذا فانه من الطبيعي أن تكون اجابة الانسان الفنلندي حول السؤال عن الشخص الرئيسي الذي لعب دورا في نجاحك، لتجيب الفئة الساحقة منهم “معلمي”.. وعليه فانه لا عجب في أن تكون أبيات شوقي في حقهم شعر وحقيقة معا، حيث النظرية والواقع يتطابقان.

زر الذهاب إلى الأعلى