المدارس المختلطة بين المؤيد والمعارضقضية الشهرمقالات و أبحاث مترجمة

لماذا التعليم أحادي الجنس؟ خطابات الثقافة/المُعتقَد والتحصيل -مترجم-

المقال الأصلي: Why single-sex schools? Discourses of culture/faith and achievement

نتجت هذه الورقة عن دراسة أُجريت لاستكشاف العوامل التي تؤثر في اختيارات مجموعة من المعنيين في مجتمع حضري متعدد الأعراق – الطلاب وأولياء الأمور والمدرسين وممثلي المجتمع – فيما يتعلق بالتعليم المدرسي، تناقش الورقة وجهات النظر المتنافسة التي تشكل محور تركيز الدراسة، وقد أدت التشريعات الأخيرة في أمريكا التي تسمح بوجود مدارس أحادية الجنس (تعديل هتشيسن في يونيو / حزيران 2001)، وكذلك توفير فصول دراسية أحادية الجنس في المملكة المتحدة وأماكن أخرى، إلى احتدام النقاش حول التعليم والإنجاز أحاديي الجنس، ومع ذلك فإن هناك جانبًا آخر مهمًّا، ولكنه أقل وضوحًا وهو الارتباط بين التربية أحادية الجنس والثقافة/المعتقد في بعض المجتمعات/البلدان.

في مجتمعات اليوم، متعددة الأعراق والمعتقدات، من المهم للغاية النظر في التفضيلات المدرسية من منظور مختلف للجماعات والمجتمعات التي تنتظر استجابة لاحتياجاتها وتوقعاتها.

توسع هذه الورقة الحوار من خلال مناقشة تأثير الثقافة والاعتقاد على الخيارات المدرسية فيما يتعلق بالتعليم أحادي الجنس مقابل التعليم المختلط.

التعليم أحادي الجنس هو ظاهرة تاريخية، فقد أخذ التعليم أحادي الجنس فيما سبق شكل مدارس للبنين فقط (Ivinson & Murphy، 2007) وهو ما أثار انتقادات النسويات في عصري الحداثة وما بعد الحداثة فيما يتعلق بتكافؤ الفرص وتهميش الإناث (Deem، 1984؛ Weiner، 1994).

في القرن العشرين، أدى نمو مؤسسات التعليم المختلط إلى مناقشات حول نقاط القوة والضعف في المدارس أحادية الجنس مقارنةً بالتعليم المختلط، قُدمت مجموعة متنوعة من التفسيرات من قبل عدد من الباحثين يؤيدون مختلف الآراء، ولكن مثل غيرها من المناقشات المحتدمة «كانت التفسيرات في كثير من الأحيان ما هي سوى تخمينات أو تحيزات أو محاولات لدعم نظريات معينة» (Tomlinson, 1991, p. 121).

لا يوجد دراسة بإمكانها ادعاء التحكم في كل متغير آخر للتحقيق بشكل كامل في المدارس أحادية الجنس مقارنةً بالمدارس المختلطة (Smithers & Robinson، 2006). يقدم سميثرز وروبنسون (2006) مراجعة مفصلة للأدبيات، نقلًا عن دراسات من أستراليا وأمريكا وكندا والمملكة المتحدة، التي تناقش تأثير المدارس أحادية الجنس والتعليم المختلط والفصول الدراسية المنفصلة للبنين والبنات، فيما يخص التحصيل الأكاديمي واختيار الموضوع والتنمية الشخصية/الاجتماعية. ويشدد كل منهما على أن الأدلة الداعمة لتأثير أحادية الجنس في التعليم أو التحصيل العلمي ليست حاسمة: «من دون وجود نتائج عامة واضحة، فإن حسم ما إذا كان خلط أو فصل الجنسين في التعليم يجب أن يكون مسألة حكم» (Smithers & Robinson, 2006, p. 31).

الافتراض السائد بين مؤيدي التعليم أحادي الجنس هو أنه يساهم في التحصيل لأنه يحرر الطلاب من الصراع والضغوط والتوترات والإغراءات الملحوظ (Riordan, 2004). أكد ريوردان أن المدارس أحادية الجنس تفي بالغرض للفتيات والفتيان والنساء والرجال والبيض وغير البيض، ولكنه يعترف أيضًا بأن فوائد المدارس أحادية الجنس تبلغ ذروتها بين مجموعات معينة مثل السود أو الإناث الإسبانيات الأصل ذوات الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأقل (Riordan, 2004).

يسرد سالومون (1999) العديد من النظريات المؤيدة للمدارس أحادية الجنس، لكنه يوضح أن “آثار المدارس أحادية النوع الاجتماعي بلغت ذروتها بين الطلاب الذين لطالما كانوا مهمشين تاريخيًّا – أولئك الشباب الذين ينتمون للأقليات المهمشة والطبقة العاملة (والإناث كذلك ممن لا ينتمين لطبقة الأثرياء)” (pp. 283–284).

أنتجت المناقشات المكثفة في الولايات المتحدة قبل وبعد تعديل هتشيسن في يونيو 2001، والتي قننت التعليم أحادي الجنس بشكل لا لبس فيه، أدبيات غنية في هذا المجال. ومع ذلك “[يبقى] التعليم أحادي الجنس شبكة معقدة من الأسئلة التي لم يُجب عنها“ (Salomone، 1999، p. 275).

تستشرف هذه الورقة أنه يجب دراسة وتحليل التعليم أحادي الجنس في السياق الاجتماعي الأوسع على خلفية قيم ومعتقدات المجتمع المدرسي، وتستند هذه الورقة إلى مشروع بحثي حديث نُفِّذ في مدينة نوتنغهام (المملكة المتحدة) لمناقشة التعليم أحادي الجنس مع التركيز بشكل خاص على الأقليات العرقية، الذين كانوا يشكلون أغلبية كبيرة بسبب التركيبة السكانية المحددة لسياق البحث، استكشفت الدراسة آراء ووجهات نظر مختلِف المجتمعات المحلية والمعنيين فيما يتعلق بالتعليم المدرسي أحادي الجنس، وفيما يتعلق أيضًا بالنظر في الاهتمامات التعليمية والاجتماعية والثقافية والدينية. صُمم المشروع لضمان إجراء مشاورات واسعة النطاق مع المجتمع المحلي وجميع المعنيين. بالإضافة إلى المعلمين والآباء/أولياء الأمور وقادة المجتمع والمجموعات الدينية وغيرهم، شارك في الدراسة عدد كبير من الطلاب والشباب من المدارس المختلطة والمدارس الدينية والمدارس أحادية الجنس.

الدراسة

صُممت الدراسة للحصول على آراء ووجهات نظر مجموعة متنوعة من المعنيين فيما يتعلق بالتعليم المدرسي أحادي الجنس في سياق محدد وحضري ومتعدد الأعراق (تقرير التعليم أحادي الجنس، 2007). في ضوء التنوع المحتمل للمشاركين المتوقعين في الأبحاث، تقرر اتباع عدد من الاستراتيجيات المتنوعة لجمع المعلومات، فقد تم التعرف على عوائق الوصول واللغة والكتابة والاتصال بالإنترنت والقيود الثقافية ونوع الجنس وغيرها، وتم استخدام مجموعة من الأساليب والصيغ لجمع البيانات، وتم ذلك من خلال استبانتين – إحداهما للكبار والأخرى للشباب (يمكن إنجازه إما ورقيًا أو على الإنترنت)، وذلك من خلال التشاور العام ومجموعات التركيز والتصويت التفاعلي.

كانت الاستبانات شبه المنظمة هي الأداة الرئيسة لجمع البيانات، تلتها مناقشات مجموعة التركيز التي تمت بواسطة مجموعات منتقاة بشكل مقصود، و“التصويت التفاعلي“ مع أعضاء مجلس الشباب المحلي (من سن 11 إلى 18). تم تنظيم أحد المشاورات العامة قبل جمع البيانات، لمناقشة شكل المشروع ومحتوى الاستبانة الأولى مع مختلف المعنيين والمجتمع كله، وقد تم توجيه الدعوة إلى أكثر من 245 مجموعة مجتمعية محلية وجميع أعضاء منتدى تحقيق الإنجازات في مدينة نوتنغهام لحضور هذا الاجتماع الذي حضره 48 شخصًا – اختار بعض المشاركين عدم تسجيل حضورهم لأسباب سياسية، كان غالبية الحاضرين ينتمون إلى مجموعات عرقية من الأقليات، وقد ظهر بوضوح لاحقًا على إثر أحاديث أخرى أن البريطانيين البيض في العموم لا يرون أن التعليم أحادي الجنس قضية رئيسة.

شملت عينة الدراسة موظفين وطلاب وآباء/أولياء أمور ومديري مدارس أحادية الجنس وموظفين وآباء/أولياء أمور من عشر مدارس ابتدائية وطلاب من 20 مدرسة ثانوية أخرى وأعضاء من مجلس الشباب وممثلين عن منظمات/مجموعات مجتمعية، وقد جرت محاولة صريحة لإشراك هؤلاء الذين تخصهم الدراسة في التشاورات، وأولئك الذين لم يكن لهم صوتٌ من قبل، ولا سيما أولئك الذين عُرفوا سابقًا باسم “المهمشين“، من خلال توفير الأسلوب المناسب وطريقة التجميع والبيئة المناسبتين للتعبير عن آرائهم. تعتمد الورقة على بيانات جُمعت من:

(1) استبانات (يصل مجموعها إلى 5670): (أ) استجابات البالغين 1045 (ورقية) + 156 على الإنترنت؛ (ب) استجابات الشباب 159 (ورقية) + 22 على الإنترنت.

(2) اثنا عشر مجموعة تركيز من الأشخاص الناضجين: ست نساء وأربعة رجال ومجموعتين محددتين.

(3) عشر مجموعات تركيز من الشباب: ست مجموعات (من جنس واحد ومختلطة) من أربع مدارس، وثلاث مجموعات شبابية، ومجموعة مجلس شباب مدينة نوتنغهام.

(4) اثنين من مجموعات التشاور المجتمعية المفتوحة.

كانت البيانات غنية ومعقدة للغاية، مما يثير مخاوف متعددة، وقد أشار ذلك إلى تعقيد القضية ووجهات النظر المتضاربة، وأبرزت النتائج أن التعليم أحادي الجنس أمر مهم لبعض الجماعات العرقية والدينية؛ ومع ذلك فإن تأييد هذا التفضيل اختلف باختلاف عوامل مثل الجنس والعمر والتراث. ثانيًا كان الافتراض السائد بين مؤيدي التعليم أحادي الجنس هو أنه يُسهم في التحصيل من خلال تحرير الطلاب من التوترات والإغراءات والضغوط الملحوظة، وفي هذا الصدد تناقش هذه الورقة أهمية التعليم أحادي الجنس كما أكدت عليه بعض المجموعات وتناقش العوامل التي تدعم مفاهيمها.

التعليم أحادي الجنس: هل يعد تفضيلًا؟

برزت مدارس الجنس الواحد باعتبارها “مهمة/مهمة للغاية“ بالنسبة إلى 58.6٪ من المستجيبين البالغين، بينما أفاد 39.5٪ بأن وجود مدرسة أحادية الجنس هو أمر إما “ليس شديد الأهمية“ أو “ليس مهمًا على الإطلاق“. وكان من بين النتائج الرئيسة أن التعليم أحادي الجنس قد اعتُبِر أكثر أهمية من جانب المستجيبين الذكور، في حين قالت 51.5٪ من النساء أن التعليم أحادي الجنس “مهم جدًّا/مهم“، وهو ما يعد رأيًا ليس حاسمًا، ذكر 69٪ من الذكور أن التعليم أحادي الجنس “مهم جدًا/مهم“، وهو ما يثير بعض الأسئلة المهمة. أولًا: هل يعكس هذا التفضيل للتعليم أحادي الجنس الرغبة في الحصول على تعليم أحادي الجنس للبنات فقط أم للبنين والبنات؟ ثانيًا: هل يشير ذلك إلى حاجة تعليمية حقيقية أم أنه ليس شيئًا سوى كونِه تعزيزًا للتقسيم الجندري والرقابة الاجتماعية؟ تشير البيانات إلى أن تأييد التعليم أحادي الجنس في هذه الحالة هو في الواقع تأييد لفصل الفتيات فحسب، مما يشير إلى قضايا جنسانية حساسة ومعقدة مثل القوالب النمطية والأنماط الاجتماعية وأدوار الجنسين. وقد تأكد هذا في مجموعات التركيز التي تحدث فيها الذكور من أنصار التعليم أحادي الجنس عن الحاجة إلى المدارس المخصصة للبنات فقط، في حين أكدت مناصرات التعليم أحادي الجنس من النساء صراحةً أن الأمر ينبغي أن يكون كذلك لكل من الفتيات والفتيان.

يزيد من تعقيد الصورة التعمق في تحليل الاستجابات بالنظر إلى الدين/المعتقد والعرق والتراث؛ إذ أن حوالي 90 ٪ من جميع المسلمين و27 ٪ من المسيحيين و28 ٪ من اللادينيين و52.9 ٪ من الآخرين ذكروا أن التعليم أحادي الجنس “مهم/مهم للغاية“، مما يدل على زيادة تفضيل التعليم أحادي الجنس بين المسلمين (Shah, 1999). كانت الغالبية الساحقة من جميع المستجيبين الذين يؤيدون التعليم أحادي الجنس ينتمون إلى الأقليات العرقية ذات العقيدة الإسلامية. بالنسبة لـ 69.6٪ من البريطانيين البيض، كان التعليم أحادي الجنس “ليس مهمًا/ليس مهمًا على الإطلاق“، بينما بالنسبة للأقليات العرقية الأخرى، على سبيل المثال 13٪ فقط من الباكستانيين و4.8٪ من الكشميريين و1.8٪ من بنغلادش و8.6٪ من العرب و0٪ من المستجيبين الأفغان قالوا إن التعليم أحادي الجنس “ليس مهمًا/ليس مهمًا على الإطلاق“، مما يعكس الارتباط بين الاعتقاد والعرق والتعليم أحادي الجنس.

كما تم رصد المستجيبين بالنظر إلى التراث (نظرًا لأغراض هذه الدراسة فإن التراث يُعرّف وفقًا لحقيقة كونك وُلدت في المملكة المتحدة أم لم تولد فيها). وفقًا لنتائج البحث، تلقى التعليم أحادي الجنس دعمًا أقل من أبناء الأقليات العرقية المولودة في بريطانيا. إذ أن 43.6٪ من المشاركين المولودين في المملكة المتحدة رأوا أن التعليم أحادي الجنس “مهم/ مهم للغاية“، فيما كانت النسبة 60.6٪ بالنسبة لأولئك الذين لم يولدوا في المملكة المتحدة، مما يشير إلى أن عدد أكبر ممن لم يولدوا في المملكة المتحدة يؤيدون التعليم أحادي الجنس. يشير هذا إلى المواقف المتغيرة وتأثير الثقافة المجتمعية (مقارنةً بثقافة البلد الأصلية) والبيئة على التفضيلات التعليمية. حتى أن المُعتقد هنا كان له تأثير أقل إذ ذكر 32٪ فقط من الشباب المسلم أنهم سيفكرون في الذهاب إلى مدارس أحادية الجنس. كانت هناك اختلافات مثيرة للاهتمام ليس فقط بين المجموعات العرقية المختلفة ولكن أيضًا داخل المجموعات العرقية ذاتها من حيث العمر والجنس، كما هو موضح في الجدول رقم 1، إذ يُظهر هذا الجدول استجابات إحدى المجموعات العرقية.

يوضح الجدول رقم 1 أن هناك صبية صغار السن يعارضون المدارس أحادية الجنس، كما أن حوالي نصف الإناث المستجيبات من هذه المجموعة العرقية لا يؤيدن التعليم أحادي الجنس كذلك. أولئك الذين يؤيدون التعليم أحادي الجنس هم من الرجال والشباب الناضجين، وهو ما يثير أسئلة مثل: هل الجيل الأصغر سنًا المولود في بريطانيا يميل أكثر تجاه مؤسسات التعليم المختلط؟ لماذا تدعم نسبة كبيرة جدًّا من الرجال المدارس أحادية الجنس – خاصة بالنسبة للفتيات؟ هل هو “خطاب سيطرة“ على النساء؟ هل هو التزام ديني؟ هل هو مطلب ثقافي؟ تثير الدراسة العديد من الأسئلة وتحاول هذه الورقة الانخراط مع المناقشات ذات الصلة لاستكشاف هذه القضايا.

لماذا التعليم أحادي الجنس؟

يقدم مؤيدو التعليم أحادي جنس مجموعة من الحجج (Salomone, 1999) تدور بشكل رئيس حول توفير بيئة مواتية لأداء وتحصيل تعليمي أفضل بصفة عامة (Weiner, 1994)، وهو ما تؤكد عليه هذه الدراسة أيضًا، إلى جانب ذلك سلط بعض المستجيبين الضوء على الأبعاد الثقافية/الإيمانية، مدعين أن “الآباء قد يختارون مدرسة أحادية الجنس لمجرد كونها غير مختلطة، وهو ما يناسب عقيدتهم/ثقافتهم، وليس بسبب جودة المدرسة“. ومع ذلك، فإن الغالبية رأوا أنهم سيختارون مدرسة تلبي الاحتياجات الثقافية/الدينية للمتعلمين، وهو ما يؤكد على الأبعاد الثقافية/الدينية ولكن ليس بالضرورة التعليم أحادي الجنس. كان السؤال الثالث في استبانة البالغين هو: “ما هو الأكثر أهمية بالنسبة لك؟“ وكانت تلك هي قائمة الخيارات:

(1) مدرسة تلبي احتياجات طفلي الدينية/الثقافية.

(2) مدرسة ذات مُعتقد ديني واحد.

(3) مدرسة تشجع التنوع.

(4) مدرسة أحادية الجنس.

(5) أخرى.

اختارت الأغلبية الساحقة الخيارين الأول والثالث باعتبارهما الأهم، مما يشير إلى أن المدارس أحادية الجنس قد لا تكون خيارًا مفضلًا إذا ما قورن باحتياجات الأطفال الدينية والثقافية، وكذلك إن قورنت بإمكانية تعزيز التنوع من خلال فهم الثقافات/الأديان المختلفة (Merry, 2007). يلفت هذا الانتباه إلى القضية الخطيرة المتعلقة بما تحتاجه المدارس ويحتاجه مديرو المدارس لإدارة التنوع في بريطانيا متعددة الأعراق/الأديان (Shah, 2006). وقد عززت الاستجابات على سؤال مماثل في استبانة الشباب النتائج السابقة التي مفادها أن الأولوية الرئيسة للشباب هي بيئة شاملة للجميع وديمقراطية وتكافؤ فرص لا مدرسة أحادية الجنس أو مدرسة ذات مُعتقد ديني واحد. فقط 27 من أصل 181 من المستجيبين الشباب اختاروا خيار الجنس الواحد، وهو ما سجل النتيجة الأدنى لأي فئة في هذا السؤال، بينما كان هناك دعم ساحق لتلك المدارس التي من شأنها أن توفِّر تعليمًا جيدًا (140)، وتكافؤ في الفرص (143) والمشاركة على قدم المساواة (103).

تعكس بيانات مجموعة التركيز أيضًا انتشارًا مماثلًا للاستجابات. فقد جُمِعَت تعليقات المشاركين الذين أيدوا التعليم أحادي الجنس تحت أربعة عناوين رئيسة: التعليم والثقافة والدين/المُعتَقد والبعد الاجتماعي. اعتقد عدد كبير من المشاركين أن المدارس أحادية الجنس توفر “بيئة تعليمية أفضل“، مجادلين بأن “الجزء الأكبر من التركيز ينصَبُّ على التعليم لا على الجنس الآخر“، كما اشتكوا من أن “المعلمين غالبًا ما يفضلون أحد الجنسين على الآخر في أثناء تعليمهم في المدارس المختلطة“. ولفت العديد منهم الانتباه إلى “المدارس الخاصة أحادية الجنس [التي] تتمتع بسمعة جيدة من حيث التحصيل العلمي“. وهناك وجهة نظر أخرى تؤيد المدارس أحادية الجنس بدافع ثقافي/ديني، إذ تزعم وجهة النظر تلك أنه “في الثقافة الإسلامية لا يُسمح للفتيات بالخروج مع الصبيان، وهو ما تساعد المدارس أحادية الجنس على تجنبه“. وقد شدد العديد من المشاركين في الأبحاث الإسلامية على أن تلك المدارس هي متطلب ديني، بينما يعتقد آخرون أن “الفتيات يشعرن بالراحة والسهولة“ وأنهن “يشعرن أكثر بالأمن والاطمئنان“ مع “انخفاض خطر النوازع الجنسية/حمل المراهقات“ في المدارس المخصصة للبنات فقط.

تعكس بعض هذه التعليقات شعورًا بأن القيم الدينية للمجتمع الإسلامي مهددة (Griffin، 2006). وقد أعرب الآباء والأمهات المسلمون عن قلقهم بشأن السماح بالتعليم المشترك، وخاصة لفتياتهم وعلى وجه الخصوص خلال سنوات المراهقة (Bemmelen & Vliet, 1985). رغم ذلك كان هناك أيضًا اعتراف بأن تقييد الشباب في مؤسسات أحادية الجنس له تأثير سلبي على مهاراتهم الاجتماعية، وعلى الرغم من أن غالبية المشاركين في مجموعات التركيز يؤيدون التعليم أحادي الجنس، فإن هناك أسبابًا قوية وصريحة يقدمها الكثيرون، ولا سيما النساء والشباب، لدعم التعليم المشترك لإعداد الشباب “للعالم الحقيقي“.

اقترح العديد من المشاركين في البحث التوصل إلى حل وسط عن طريق اقتراح أن تكون المدارس مختلطة مع تدريس بعض الأنشطة/المواد الدراسية بشكل منفصل، كما اقتُرِح توفير أماكن منفصلة للفتيات والفتيان لأغراض معينة. وهو ما يلفت الانتباه على سبيل المثال إلى تجارب كانت قد أُجريت مؤخرًا على فصول أحادية الجنس، والتي ستناقش بشيء من التفصيل في الفقرات القادمة لاستكشاف أهميتها بالنظر إلى التحصيل العلمي.

التعليم أحادي الجنس والتحصيل

كان التعليم أحادي الجنس هو تفضيل الغالبية العظمى من المسلمين المشاركين في هذه الدراسة والأغلبية الواضحة من جميع المشاركين، إذ كان التصور الشائع أن الطلاب يزداد تحصيلهم بشكل كبير في البيئات أحادية الجنس، وقد جادلت النسويات بأن المدارس/الفصول أحادية الجنس يمكن أن توفر تجربة تحررية للفتيات الصغيرات اللواتي يُسهمن في مفهوم إيجابي للذات ويُسهمن في اختيارات المواد الدراسية من خلال توفير بيئة داعمة بشكل أكبر (Smithers & Robinson, 2006). ويقول كل من كينواي وويليس وبلاكمور وريني (1998) إن “الفصول الدراسية أحادية الجنس للفتيات يمكن أن تعمل أيضًا كملاذ عاطفي“ (ص 150)، مشيرين إلى القدرات الكامنة للمؤسسات أحادية الجنس على تقديم المساواة في عالم لا مساواة فيه. بينما يجادل ريوردان (2004) بأن المؤسسات أحادية الجنس تعزز التحصيل في حالة الفئات المهمشة، إلا أن البحوث في هذا الصدد ليست حاسمة بحسب ما أكدت الأدبيات المتاحة.

هناك أيضًا جانب آخر يتعلق بالسلوك ومفهوم الذات، في دراسة من أيرلندا الشمالية، درس كل من جرانليز وجوزيف (1993) مفهوم الذات لقياسه من خلال اختبار فتيات من مدرسة ثانوية أحادية الجنس وأخرى مشتركة. كانت الفتيات في المدرسة أحادية الجنس أقل حساسيةً تجاه سلوكهن مقارنةً بنظرائهن في المدرسة المختلطة. وقد كان هذا الافتقار إلى الحساسية هو أفضل مؤشر على عالمية القيمة الذاتية في مدارس البنات غير المشتركة. سلطت بيانات هذه الدراسة أيضًا الضوء على ملاحظات مشابهة، إذ ألمحت إلى عوامل مثل السلوك المتمهل وحرية ارتداء الملابس بأي طريقة تفضلها الفتيات وهو ما قلل إجهادهن الناجم عن اهتمامهن بالمظهر الشخصي ومظهر الآخرين، وما إلى ذلك.

شكَّل دعم التعليم أحادي الجنس، وهو ما كانت النسويات تزعمه ابتداءً فيما يتعلق بتعليم البنات (Weiner، 1994)، أساسًا في سياسة الحكومة الحالية في مجال إتاحة التعليم المخصص للبنين فقط، وهي السياسة المنتظر منها تحسين تحصيل البنين في المدارس، تزعم الحجج المؤيدة لمدارس/فصول البنين فقط أن البنين يقل تشتتهم في الفصول المقتصرة على نوعهم إذ يمكنهم التركيز بشكل أفضل على ما يدرسونه، وقد أدى ذلك إلى تجريب فصول دراسية أحادية الجنس في العديد من المدارس المشتركة في المملكة المتحدة، إذ أن تقديم فصول دراسية أحادية الجنس في المدارس المشتركة هو إستراتيجية تتبناها بعض المدارس لتعزيز خبرات التعلم لدى الفتيات أو الأولاد، اعتمادًا على المناخ التعليمي في ذلك الوقت، ويستكشف جاكسون (2002) قيمة تقديم فصول دراسية أحادية الجنس في المدارس المشتركة، مستفيدًا من وجهات نظر الفتيات والفتيان المشاركين في إحدى هذه المبادرات، ويخلُص البحث إلى أن فصول الفتيات فقط قد يكون لها آثار إيجابية بالنسبة للفتيات، فيما لم يكن هناك أي دليل على أي أثر إيجابي على تحصيل البنين (جاكسون، 2002). وتؤكد دراسة بيكر (2002) على فصول الرياضيات والعلوم أحادية الجنس في المدارس الإعدادية هذا الدليل، إذ تفيد تلك النتائج بأن البيئة أحادية الجنس تُسهم في تعزيز شعور الفتيات بالتمكين والدعم من الأقران وتحسين مفهوم الذات الإيجابي، وهو ما لا يحدث مع البنين. أما دراسة لي ولوكهيد (1990) التي أُجريت على 1012 طالبًا في المدارس الحكومية النيجيرية في الصف التاسع فقد حاولت قياس تحصيل الطلبة في الرياضيات. تفوقت فتيات المدارس أحادية الجنس على فتيات الفصول المختلطة في الرياضيات، في حين حدث العكس مع الأولاد في المدارس أحادية الجنس، حتى بعد أن عُدِّل التحليل وفقًا للاختلافات الجوهرية بين خلفيات الطلاب والموارد المدرسية وسلوك المعلمين.

استخدم هاركر وناش (1997) بيانات جُمعت في دراسة طولية لأكثر من 5000 طالب في الصف الثامن في نيوزيلاندا، مع الأخذ في الاعتبار بعض الضوابط المتعلقة بالخصائص الفردية (مثل الوضع الاجتماعي الاقتصادي) ونوع المدرسة. وكما كان الحال مع الدراسات الأخرى، فقد أكد الباحثون وجود فروق إحصائية واضحة لصالح الفتيات في المدارس أحادية الجنس، ولكن بعد تطبيق الضوابط المتعلقة بمستويات القدرات والخلفيات الاجتماعية والعرقية اختفت تلك الفروق، استخدم هاركر (2000) بيانات من دراسة طولية لـ 37 مدرسة ومن قاعدة بيانات وزارة التعليم الوطنية لاستكشاف الإنجازات النسبية للفتيات بالتفصيل في المدارس أحادية الجنس وكذلك المختلطة، مع الأخذ في الاعتبار الضوابط الدقيقة المتعلقة بفروق أعداد الطلاب في هذين النوعين من المدارس، وخلُص إلى أنه عند ممارسة هذه الضوابط فإن الاختلافات الواضحة بين هذين النوعين من المدارس قد تلاشت تقريبًا، وبحث هاركر (2000) في الاختلافات بين الجنسين في الإنجازات على مستويات مختلفة في المدارس الثانوية في نيوزيلندا، عُرضت الاختلافات بين الجنسين فيما يتعلق باللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، ولكن هذا النمط لم يكن ثابتًا خلال السنة، ويؤكد هاركر أن نتائج البحوث غامضة فيما يتعلق بآثار المدارس أحادية الجنس على تحصيل الفتيات، في العديد من الدراسات التي أشارت فيها النتائج في البداية إلى أن التعليم في البيئات أحادية الجنس كان أكثر ملاءمة للبنات من الفتيان، تضاءلت أي اختلافات بين الجنسين بمجرد تعديل النتائج بعد أخذ المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية أو القدرة في الاعتبار (Harker, 2000).

يُقال إن التعليم أحادي الجنس له القدرة على رفع مستويات الإنجاز في بعض السياقات، لكن هذه الإمكانية يمكن تحقيقها عندما يُخطط لمناهج التعليم التفاضلي بشكل منهجي وكذلك عندما تُنفَّذ وتُرصد وتُقيَّم تلك المناهج بشكل واضح. تناول كل من يونجر ووارينجتون (2002) التدريس أحادي الجنس في المدارس المختلطة بالدرس حيث كان التدريس أحادي الجنس هو القاعدة في هذه المدرسة منذ تأسيسها في أوائل السبعينيات، ووجدا أن مستويات التحسُّن النسبي لكل من الفتيات والفتيان بمرور الوقت كانت متشابهة. أشارت المقابلات مع موظفي المدرسة والطلاب وتحليل أنماط التفاعلات في الفصول الدراسية إلى أن كل من البنات والأولاد استفادوا من حيازة مساحة خاصة بهم للتعلم، رغم وجود مشاكل فيما يتعلق بإعادة دمج الطلاب، وبخاصة الفتيان، بعد السماح بالدروس المختلطة في المواد الأساسية في المرحلتين العاشرة والحادية عشر (Younger & Warrington، 2002). وقد تم التعبير عن هذا القلق بشأن إعادة الدمج في مجموعات التركيز في الدراسة الحالية، ولا سيما من قبل الشباب والإناث من المشاركين، كما سيُناقش لاحقًا في هذه الورقة.

أما ما يخص ارتباط التعليم أحادي الجنس بالتحصيل، فلا يوجد دليل قاطع على هذا الأمر، فيما يجادل بعضهم بأن المواقف “المؤيدة“ أو “المعارضة“ التي تتشكل منها الأدبيات الشهيرة فيما يخص التعليم أحادي الجنس يمكن أن تكون مضللة لأن تقييمات نجاح أو فشل التعليم أحادي الجنس ترتبط بعدة عوامل مثل الأهداف المؤسسية والروح العامة ومؤشرات النجاح المستخدمة والسياق التاريخي وحالة المدرسة وعمليات اختيار الطلاب وغيرها. من جهة التاريخ لطالما كانت المدارس أحادية الجنس مرموقة وخاصة، فهي تحظى بتقدير كبير؛ لأن لديها بصفة عامة سياسات قبول انتقائية لغربلة الأعداد الكبيرة التي تتقدم إليها. ووفقًا لريوردان (1990) فإن سياسات المدارس أحادية الجنس التي تدعم الجانب الأكاديمي من الأنشطة التعليمية تفسّر تفوق تلك المدارس، وفي حال تم التحكم في العامل المدرسي؛ فلا يوجد دليل ثابت على تباين التحصيل بين الفتيات والفتيان أو بين المدارس/الفصول أحادية الجنس والمختلطة. وجد كل من ليبر ووارن (1997)، من خلال استخدام بيانات من الدراسة الوطنية التعليمية الطولية لعام 1988، أن الأولاد في المدارس أحادية الجنس لا تزيد درجات اختباراتهم مقارنةً بالأولاد في المدارس المشتركة وأن البنات لا ينعكس عليهن آثار إيجابية ذات دلالة إحصائية جراء الالتحاق بمدارس أحادية الجنس، فيما قام مشروع آخر حديث في مدرسة بيمبروك بتجربة تنظيم مجموعات مختلطة بين الجنسين في النصف الأول من العام ومجموعات أحادية الجنس في النصف الآخر من العام في مواد اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والتاريخ والتكنولوجيا (Research Report, 2006). وقد خلُص البحث إلى أن البيانات لم تُظهر أي أثر ثابت أو ملموس على التحصيل في المجموعات المختلفة.

ثمة تباين في تقديرات الأبحاث لما إذا كان التعليم أحادي الجنس “أفضل“ من التعليم المختلط للفتيات فقط أم الأولاد فقط أم كليهما. تدعم بعض الأبحاث وجهة النظر القائلة بأن سياقات الجنس الواحد تعمل على تقليل وجهات النظر النمطية حول الموضوعات وأن الفتيات ينظرن إلى الفصول الدراسية أحادية الجنس باعتبارها أكثر ملاءمة للتعلُّم، لكن الأبحاث تفشل في التأكُّد من أن الفتيات ينتفعن بشكل ملحوظ فيما يخص التحصيل الدراسي في الفصول الدراسية أحادية الجنس (Lee & Marks, 1990). فيما يلي نجد بعض النتائج المشابهة التي كُشِف عنها بواسطة تقرير النتائج المبدئية (The Standards Site, 2006) من فريق DfES من الخبراء المتخصصين في مجال التعليم من خلال العمل مع المدارس في جميع أنحاء البلاد:

• نتائج متضاربة حول ما إذا كانت نتائج اختبارات التلاميذ الذين دُرِّس لهم في مجموعات أحادية الجنس أفضل.

• غالبًا ما يفضل التلاميذ المجموعات أحادية الجنس، وبخاصة الفتيات.

• غالبًا ما يكون رأي المعلمين منقسمًا، لكن معظمهم يعترف بمستويات أعلى من المشاركة في الدروس وزيادة الثقة بين الجنسين.

• ﻗﺪ ﻳﺼﻌﺐ إدارة ﻣﺠﻤﻮﻋﺎت اﻟﺼﺒﻴﺎن، على الرغم من أن اﻟﻤﻌﻠﻤﻴﻦ ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﻳﺸﻌﺮون أن اﻟﺴﻠﻮك أﻓﻀﻞ ﻓﻲ المجموعات أحادية اﻟﺠﻨﺲ.

تؤكد دراسة حديثة أخرى (Sullivan, 2006) أن النتائج التجريبية حول مسائل التعليم أحادي الجنس واحترام الذات ومفهوم الذات والمشاركة في المواضيع التي لا علاقة لها بنوع الجنس كانت مختلطة، فيما جادل بعض المدافعين عن فصل تعليم البنات والصبيان بأن احترام الفتيات لأنفسهن يحدث بشكل أفضل في البيئات أحادية الجنس، إذ يميل الفتيان إلى الهيمنة في البيئات المختلطة، وتشير بعض الأبحاث إلى وجود ارتباط بين المدارس والدروس أحادية الجنس من ناحية وبين مشاعر التمكين والشعور بالراحة ومفهوم الذات الإيجابي من ناحية أُخرى، بالإضافة إلى أن تلك الأبحاث سلطت الضوء على تفضيل الفتيات للمجموعات أحادية الجنس، ولكن العديد من الدراسات لها نتائج مختلفة. ويقتبس سوليفان (2006) الدراسات التي تشير إلى أن الفصول الدراسية أحادية الجنس في المدارس المختلطة تقدم نتائج مختلطة وأن الأبحاث في هذا الشأن غير حاسمة.

في هذه الدراسة يعبِّر الآباء/أولياء الأمور، ولا سيما الذكور من بعض الجماعات العرقية/الدينية، عن تفضيلهم للتعليم أحادي الجنس لأسباب مختلفة منها التحصيل العلمي والتركيز المستقر على ما يُدرس، غير أن استجابات الشباب كانت أكثر تأييدًا للتعليم المشترك، مع فصول دراسية منفصلة للتعليم البدني والتعليم الشخصي والاجتماعي والصحي ومساحات شخصية منفصلة للأولاد والبنات، قد لا يؤدي هذا في حد ذاته إلى عواقب مباشرة على التحصيل العلمي، ولكن ارتباطه بالشعور بالراحة وكونه يوفر مُتنفَّسًا حرًّا (Haw, 1998) هو أمر لا يمكن المجادلة فيه، يمكن أن يكون هذا بمثابة إشارة إلى دور التنشئة الاجتماعية بين الجنسين المنقولة من المنازل وثقافاتها إلى المساحات التعليمية، فهي تتسبب في آثار خفية في مستويات الراحة لدى الفتيات في التعليم المختلط كما تؤثر في تطورهن الكلي، ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء السياسة الحكومية الحالية (Education Act, 2004) حيث تُشجَّع المدارس بشكل كبير على توسيع نطاق مشاركاتهم مع الأطفال والشباب إلى ما هو أبعد من الدور التقليدي المنحصر في التحصيل الدراسي؛ فهناك حاجة متزايدة للنظر في الاحتياجات (المعقدة أو البسيطة) للأطفال/الشباب “بكل أبعادهم“ (Merry, 2007): إذ أن تلك الأبعاد تتضمن الصحة وتقديم الإسهام الإيجابي والرفاه الاقتصادي والسلامة والتمتع (Education Act, 2004). هل تفضي البيئة أحادية الجنس إلى تلبية هذه الاحتياجات في حالة الفتيات؟ هل تشعر الفتيات بالسعادة والاسترخاء والراحة في بيئة من جنس واحد؟ هل هي مسألة علاقات القوة بين الجنسين الناتجة عن القوالب النمطية الاجتماعية الأوسع، والتي تؤثر في تجارب الفتيات في التعليم المختلط؟ إذا كان الأمر هكذا، فما هي الآثار المترتبة على ذلك بالنسبة للمشاركة التعليمية والإنجاز؟

في العديد من الدراسات التي تستكشف التحصيل التعليمي العرقي، نرى التفوق الملحوظ للفتيات المسلمات كمجموعة مقارنةً بالفتيان المسلمين (Abbas, 2006; Ahmed, 2001; Birmingham City Council, 2005; DFES, 2004). هل يعد هذا دليلًا متناقضًا أم أن ذلك يعني أن الفتيات يعملن بجد أكبر للتغلب على العقبات التي لا يراها المجتمع؟ تشير الدراسات إلى الهياكل الاجتماعية والثقافية بين المجتمعات المسلمة حيث تتفاعل الفتيات/النساء مع التعليم بالتزام أكبر، وهو ما يعد طريقة للتقدم لهن مقارنةً بالأولاد/الرجال. تظهر هنا صورة معقدة، إذ أنه ثمة عوامل عديدة تؤثر في أداء الفتيات المسلمات، ومن الممكن أن تكون المدارس أحادية الجنس أحد تلك العوامل.

التعليم أحادي الجنس وخطابات المُعتقد والثقافة والجنس

ظل التمييز بين الجنسين سمة بارزة في المجتمعات الإسلامية إذ تؤيد تلك المجتمعات المؤسسات أحادية الجنس، ورغم تأكيد الخطاب على أن هذا الأمر إسلاميًا فإن المفهوم نسبي، فقد أُوصى به بقدر ضرورة الحفاظ على النسيج الاجتماعي للمجتمع المسلم بخطاباته الخاصة حول الأسرة والجنس، وبعض المجتمعات المسلمة أو الأفراد ينظرون إلى الفصل بين الجنسين بصفته متطلبًا دينيًّا، لكنه أمر لا تدعمه النصوص الدينية (Shah, 1998). يوصي القرآن بالارتقاء بأخلاق الرجال والنساء، إلا أنه لا يفرض الفصل بين الجنسين ولا سيما في حالات التعليم/التعلُّم. فما التمييز بين الجنسين، كما هو محدد في القرآن، سوى جزء من برنامج تعليمي خاص للرجال وللنساء وهو يرتبط بخطابي الجنس والأسرة في الإسلام. ويهدف الفصل إلى خلق بيئة آمنة لضمان المشاركة المتساوية للرجال والنساء في الأماكن العامة والخاصة؛ فهو يعمل على تسهيل هذه المشاركة لا لتهميش المرأة، أما التكليفات الخاصة بالملابس والسلوكيات المناسبة المطروحة في القرآن الكريم للسياقات المختلطة تنكر بشكل غير مباشر الفصل بين الجنسين، وقد علَّم النبي محمد نفسُه الرجال والنساء، معًا في بعض الأحيان، في مسجد المدينة (Al-Hibri, 1982; Mernissi, 1991, 1993). وواصلت زوجته عائشة تعليم الرجال والنساء في نفس المسجد، لذلك لا يمكن أن يكون الفصل فرضًا إلزاميًّا في المؤسسات التي تفعل ذلك إذ أنه غير منصوص عليه بشكل صريح من قبل القرآن أو السنة.

رغم ذلك يمكن أن تُعزى النزعات العنصرية في المجتمعات الإسلامية إلى مفاهيم الإسلام عن الجنس والجنسانية والأخلاق؛ فالنشاط الجنسي في الإسلام محظور بشدة ومحدود إذ يُمنع منعًا باتًا أن تكون هناك ممارسة جنسية خارج نطاق الزواج (Al-Ghazali, 1995). وتأكيدًا على العفة فقد وعد الله عز وجل “الحافظين فروجهم والحافظات“ بـ“مغفرة وأجر عظيم“ (Quran, 33:35). تعكس البيانات التي جُمعت خلال هذا التشاور أنه من الممكن للآباء المسلمين، الذين يطالبون بالتعليم المنفصل للفتيات، أن يتخوَّفوا من السياق الاجتماعي الأوسع للتعليم، كما من الممكن أن يتخوَّفوا من المفاهيم الشائعة عن الجنس والأخلاق والزواج التي تنشط في المجتمع المضيف (Shah, 1998). وبسبب ما تشكله المدارس المختلطة من تهديد لأكوادهم الأخلاقية، فإن هناك العديد من المهاجرين الباكستانيين المستقرين الآن في بريطانيا يرسلون بناتهم الصغيرات إلى باكستان ليتعلموا في سياق أحادي الجنس، متحملين في ذلك تكاليف السفر جوًّا والإقامة لعدة سنوات. “بسبب تصوراتهم لمشاكل المجتمع الإنجليزي من المخدرات والكحول والتفشي غير المبرر للجنس يسعى الآباء الآسيويون دائمًا إلى توفير الحماية الشديدة لبناتهم“ (Ali, 1996, p. 411). خارج المؤسسات التعليمية ثمة مسافة يحافظ عليها أولئك المهاجرون في كثير من الأحيان بينهم وبين مجتمع السكان الأصليين وثقافتهم، لكن المدارس تمثل أمرًا مختلفًا حيث تصبح حماية بناتهم تحديًا في حال كان التعليم مختلطًا.

ثمة عامل مهم آخر في تقرير البيئة المناسبة لتعليم أطفالهم، ألا وهو الخطابات السائدة داخل الأسرة الممتدة والمجتمع (Shah, 2008). تُعزَّز التعاليم والتكليفات الإسلامية المتعلقة بالأسرة المباشرة والممتدة والمسلمين الآخرين، على سبيل المثال، من قبل أنماط السلوك المحلية المتعلقة بالأسرة والجماعة (Bagguley & Hussain, 2007; Shain, 2003; Tyrer & Ahmad, 2006). مما يؤكد الظاهرة على نحو مضاعف؛ فتصبح متجذرة بعمق في الإيديولوجيا والثقافة، ليخلق ذلك شبكة من العلاقات المعقدة والسائبة والشاملة التي تؤثر على صنع القرار في العديد من الأمور التي تعتبر شخصية في المجتمعات الفردية. ومن هنا فإن القرارات الشخصية مثل إرسال الفتيات إلى مدارس أحادية الجنس أو مختلطة قد يُتخذ في الغالب قرار بشأنها تحت ضغوط مباشرة أو غير مباشرة من جانب الأسرة والمجتمع. حتى عندما لا يكون لدى عائلة ما أو آباء معينين أي ميل تجاه التعليم أحادي الجنس، فقد يختارون هذا الخيار عند الخضوع لضغوط العائلة الممتدة، “الجماعة“، أو المجتمع (Shah, 1998; Shaw, 1988)، لأن الخضوع للثقافة المشتقة الجماعية أمر ضروري للبقاء ضمن شبكات الجماعة (Sharma, 1980).

أحد تلك الخطابات القوية هو الزواج المدبَّر، فهو يفضي إلى تفضيل الوالدين للتعليم أحادي الجنس في مجتمعات معينة. يُنظر إلى التعليم المختلط باعتباره تهديدًا للزواج المدبَّر لأنه قد يفتح آفاق أخرى للفكر والخيارات. فقد تفضل إحدى الفتيات اللاتي تعلمن بشكل مختلط اتخاذ خيارات شخصية متحديةً القرارات الجماعية؛ فعلى ما يبدو أن المدارس المخصصة للبنات فقط توفر “متنفَّسًا حرًّا“ لتثقيف الفتيات، دون التلويح بأي تهديدات قد تشكل خطورة على التقاليد الثقافية فيما يتعلق بالزواج المدبَّر والشبكات العائلية؛ وعليه فإن الدراسة أو العمل في بيئات مختلطة الجنس بعد الزواج ليس بالأمر الخطير (Shah, 1998)، فالزواج يُنظر له باعتباره مسألة جماعية لا فردية. في الواقع لا تُنظَّم الزيجات المدبَّرة ببساطة من قبل الآباء والأمهات، ولكن غالبًا ما يُتخذ القرار فيها تحت ضغوط كبيرة من الأسر الممتدة والجماعات، وغالبًا ما يجد الآباء في كنف تلك الثقافات الجماعية لهذه المجتمعات، المدعومة بشبكة الزيجات المدبَّرة، صعوبة في التشكيك في سلطة الجماعة (Basit, 1995).

لدى قضية المدارس أحادية الجنس أبعاد اجتماعية وثقافية معقدة، لا سيما فيما يتعلق بتعليم الفتيات، والأمر لا يقتصر على المسلمين فحسب، فالأمر يحدث في العديد من المجموعات والمجتمعات الأخرى. وكثيرًا ما يُستخدم كطريقة سياسية لترتيب الأدوار والممارسات. تقدم المؤسسات أحادية الجنس “حدودًا مُمأسسة“ (Mernissi, 1985, p. 137) كما تسلِّط الضوء على تقنيات السلطة (Foucault, 1980) التي تُمارس للسيطرة على الممارسات الثقافية. بالنسبة لبعض المجتمعات الإثنية/الدينية مثل المسلمين والآسيويين وغيرهم، يرتبط هذا الأمر بمفاهيم وممارسات مثل الشرف والزواج المدبَّر والشبكات العائلية. والشرف في أبسط صوره هو الاحترام والكرامة، لكن في حالة المرأة يصبح الخطاب المعقد للشرف نشطًا جندريًا وعائليًا واجتماعيًا، دون أي صفة قانونية أو دينية. فهو يفرض قيودًا على النساء بجعلهن مسؤولات عن شرفهن (Anwar, 1978; Shah, 1999; Weiss, 1994)، ليكسب الأمر وصفًا جندريًّا، مما يدعم الطلب على التعليم المنفصل للفتيات على وجه الخصوص، وإعدادهن لدور اجتماعي محدد، أكدت غالبية المشاركين في هذه الدراسة من المسلمين مدى اتساق أنماط السلوك الثقافي تلك، مطالبين بتعليم البنات بشكل منفصل، رغم أن بعض الأصوات نادت بتحدي الخطاب السائد.

الأدوار هي تراكيب اجتماعية، سواء كانت هذه الأدوار منزلية أو عامة. في حالة المسلمين، غالبًا ما تتشابك الأدوار الاجتماعية مع الأدوار الدينية لدرجة تجعل الفصل بينهما والتعرف على خطاب كل منهما أمرًا إشكاليًّا (Shah, 2006b). تحدد القواعد والقيم الاجتماعية/الثقافية الأدوار والممارسات الجنسانية في المناطق الخاصة والعامة، كما تحدد مواقع تلك الأدوار؛ فينبغي تقييد النساء في المجال الخاص/المنزلي الذي بدوره يقتضي اقتصار حركتهن على الفضاء المخصص للنساء فقط، وهو ما يتمثل في المدارس أحادية الجنس في هذه الحالة بالنسبة للمرأة؛ فسيكون انتهاكًا لشرف العائلة أن تتحرك في “المجالات الذكورية“ وهنا يخدم الشرف غرضه باعتباره إحدى تقنيات القوة: فالغرض هو السيطرة على النساء. ومن المثير للاهتمام أنه في أول مجتمع إسلامي في المدينة، خلال فترة حياة الرسول، كان هناك موقعان رئيسان للمدينة هما المسجد وساحة المعركة، وقد كانت النساء المسلمات تشاركن في كل منهما (Ahmed, 1992; Mernissi, 1991; Smith, 1987).

تُشعل تقنيات كبح أو تقييد النساء فتيل الأساليب الأبوية في تنظيم علاقات القوة بين الجنسين، وهو الأمر ذو الصلة بحجة فوكو بأن الخطابات لا تخلو أبدًا من التاريخ والسلطة والمصالح (1980, p. 131).

إن لم يكن الفصل بين الجنسين شرطًا دينيًّا في جوهره، فلماذا تفضِّل أغلبية كبيرة من المسلمين المشاركين في هذه الدراسة المؤسسات أحادية الجنس؟

يلفت هذا الانتباه إلى قضايا أكثر تعقيدًا وأكثر حساسية تتعلق بالقيم الثقافية وتفسيرات المُعتقد كما هو موجود في السياقات الثقافية. بالنظر إلى التركيبة السكانية للمسلمين في جميع أنحاء العالم سترى بجلاء كيف أن تلك الأمة تتمتع بالتنوع الداخلي. فهناك 52 دولة مسلمة، بالإضافة إلى عدد كبير من المسلمين الذين يعيشون في بلدان علمانية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الهند والصين وأفريقيا والدول الغربية. وهو ما يثير تساؤلات حول تأثير النظم الثقافية والإيمانية على الخيارات التعليمية، ولا سيما الآثار المترتبة على هذه التجارب فيما يخص الخيارات التعليمية.

الاستنتاجات

تعد قضية التعليم أحادي الجنس إحدى القضايا المعقدة والحساسة، كما أن تأثيرها على التحصيل العلمي للمتعلمين (الأولاد أو البنات) هو مجرد جانب واحد من جوانب النقاش، إذ أن هناك أبعادًا أخرى على القدر ذاته من الأهمية مثل الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية وغيرها (Skelton, Francis, & Valkanova, 2007). وقد تشكل أي من هذه العناصر أو مجموعة منها فارقًا فيما يخص التحصيل في موقف معين في وقت معين، والموضوعان الرئيسيان اللذان ينبثقان من هذه الدراسة هما: أولًا: الرابط المتصوَّر بين التحصيل العلمي والتعليم المدرسي أحادي الجنس، لا سيما بين المستجيبين الذكور. وثانيًا: تأثير الثقافة/المُعتقد على المطالبة بمدارس أحادية الجنس وبالأخص للفتيات.

ووفقا للنقاش الوارد في الورقة البحثية فإن العلاقة بين التعليم أحادي الجنس والتحصيل لم تُحسم، وهو ما تعكسه المناقشات المحتدمة حول قضايا مثل:

• ماذا يعني التحصيل في حد ذاته؟

• هل هو درجة أم تقدير؟

• هل هو تطوير شامل للطلاب كما هو مطروح في قانون تعليم الأطفال؟

• كيف يمكن أن يُقاس الترابط بين التعليم أحادي الجنس والتحصيل في مواجهة المتغيرات المتعددة مثل نوع المدرسة والموارد والوضع المحلي والمتعلمين ومراكزهم الشخصية/الاجتماعية، على سبيل المثال لا الحصر؟

حتى الدراسات التي حاولت التحكم في العوامل المختلفة جاءت نتائجها وقتية إلى حدٍ بعيد، مما دفعهم للمسارعة إلى شرحها باعتبارها محدَّدة السياق/العوامل (Harker, 2000; Harker & Nash, 1997; Riordan, 2004).

تمثلت الحجة النسوية المؤيدة للمدارس أحادية الجنس في أن الوجود في بيئة المرأة هو أمر يعزز تمكينهن وترعرعهن (Weiner، 1994).

إذ يُنظر إلى القوالب النمطية للجنسين والتحيز بصفتها عوامل رئيسة في التأثير على التعليم/التعلُّم حيث قد تحظى الفتيات باهتمام أقل وفرص أقل مقارنةً بالفتيان، علاوة على ذلك قد تشعر الفتيات من بعض الخلفيات العرقية/الثقافية/الاقتصادية بأنهن مكبوتات في الأماكن مختلطة الجنس، كما يمكن أن يقل لديهن دافع الانخراط في أنشطة الصف الدراسي، مما قد يؤثر بدوره على أدائهن التعليمي، ومع ذلك ثمة حجة مضادة، يدعمها العديد من المشاركين الأصغر سنًا في هذه الدراسة، وهي أن المؤسسات المخصصة للبنات فقط هي بمثابة خروج عن “العالم الحقيقي“، مما يخلق لهن بيئة منعزلة يحظين فيها، باعتبارهن غير قادرات على التنافس مع الرجال، باهتمام خاص، زاعمين بشكل جوهري بأن هذه الأطر التعليمية لا تمكِّن النساء من تعلم المهارات الاجتماعية كما تعيق استعدادهم لمواقف/أنشطة الحياة الواقعية.

جانب آخر في هذا النقاش حول التعليم أحادي الجنس هو طبيعته ذات الثقافة المحدَّدة. إذ أن أحد المواضيع التي برزت من قبل المشاركين في هذه الدراسة هو أن التعليم أحادي الجنس، خاصة بالنسبة للفتيات، كان “مهمًّا“/”مهمًّا للغاية“ لبعض المجموعات العرقية/الدينية، أي المسلمين بما في ذلك العرب والبنجلاديشيين والكشميريين والباكستانيين وكذلك الآخرين، مما يؤكد على تأثير المعتقدات والثقافة على هذه الخيارات أو الأفضليات، وكما نوقش الأمر في القسم المعني أعلاه، من الواضح أن هناك دعمًا أقل للتعليم أحادي الجنس بين الشباب والبريطانيين المولودين في بريطانيا وأيضًا من النساء/الفتيات ضمن هذه المجموعات الدينية/العرقية نفسها.

ويعد هذا اكتشافًا مهمًّا إذ أنه يبرز جزئيًّا الحاجة إلى توفير خدمات تعليمية محدَّدة لبعض الجماعات العرقية/الدينية بعينها، وهو عامل يحتاج أن يقره صانعوا السياسات لأغراض صنع القرار، ولكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على اختلافات الاختيار فيما يتعلق بنوع الجنس والعمر وتغيير الهياكل الاجتماعية.

كما أن تلك النتائج تجاهلت اختلافات الآراء الداخلية لتلك المجموعات والتي تشير إلى علاقات القوة فيما يتعلق بنوع الجنس في بعض الهياكل الاجتماعية، والمقاومة الناشئة لتلك الهياكل، وتغيُّر المواقف والأولويات لدى الشباب الصغار والمولودين في بريطانيا، والتي لها أهمية أكبر على المدى الطويل للتخطيط واتخاذ القرار.

زر الذهاب إلى الأعلى