لمحةُ من ميلادِ الفلسفةِ

23 أغسطس , 2021

تخيل الآن أنك تعيش في معزلٍ عن العالم، مكان لم يصلْه فكرٌ ولا علمٌ، ونتيجة لوضعك أنتَ أيضًا ليست لديك سوى معرفتك البدائية التي لا يستطيع الإنسانُ أن يعيش بدونها.. لا تعرف أيًّا من العلومِ على اختلافها، ثم جلست تتأمل، ورحت تتساءل، هل تستطيع أن تُحدد ما السؤال الذي طرحته حينها؟!

دعنى أُخرِجُك من حيرتك، أظنُ أنك فشلتَ في التخيُل، فأنت الآن تتمتع بقدر لا بأس به من المعرفة، ورُبما تعرفُ القليل عن الفلسفة، وهذه المعرفة تتسرب لعقلك من حيث لا تدري، فتفسد عليك تأملك.

هناك من مرَّ بهذا الموقف من قبل، ولكنه لم يفشلْ في التأمل؛ لأن الأمرَ كان حقيقيًّا تمامًا، كان واقعًا يحياه، لا أمرًا يُريدُ تخيله فقط.

السؤال الأول:

في بلاد اليونان في القرن السادس قبل الميلاد، ظهرتْ فئةٌ من المفكرين، نُطلق عليهم فلاسفة ما قبل سقراط، وأطلق عليهم سقراط نفسه الباحثين في الطبيعة أو الفلاسفة الطبيعين، يُعَدوا أول من قام بطرح الأسئلة عن نشأة الكون ومكوناته، ومحاولة الإجابة على هذه الأسئلة بعيدًا عن الأساطير الدينية.. فكان سؤالهم الذي عُرِف بالسؤال الأول أو السؤال الكبير هو “ما الأصل الذي صُنع منه الواقع؟!”

فلاسفة ملطية الثلاثة:

أول هؤلاء الفلاسفة هو طاليس، اعتقد طاليس أن الماء هو العنصر الأول الذي جاءت منه جميع العناصر الأخرى، والتي تشكل منها الكون وأصبح كما نراه، ورأى طاليس أن الأرض المستوية تطفو على الماء الذي جاءت منه، فهي عنده كجزيرة كبرى في بحر عظيم.

ثاني فلاسفة ملطية هو انكسمندريس، أحد تلامذة طاليس، والذي خالفه رؤيته للعالم، فالعالم عنده له مادة واحدة، ولكنها ليست الماء ولا أيًّا من العناصر التي نعرفها، بل هي شيء أطلق عليه “اللامحدود”، اذ كيف تكون الماء هى الأصل، وهناك أشياء متمايزة عنها تمايزًا تامًا؟!

واللامحدود عند انكسيمندريس مزيج من الأضداد التي كانت في البدء مادة واحدة مختلطة، ولأن حركتها دائمة انفصلت عن بعضها، كالبارد والحار. ولانكسيمندريس رؤية في تطور الكائنات؛ فقد اعتقد أن الحياة بدأت في طين البحر، وأن جميع الكائنات انحدرت من حيوانات مائية، بما فيهم الإنسان.

بعد انكسيمندريس جاء فيلسوف ثالث وهو انكسيمانس؛ ليجاوب على سؤالهم الكبير.. اختلف انكسيمانس عنهما في أنه لم يكتفِ بذكر المادة الأولى فقط، بل ذكر كيفية تحولها، والمادة الأولى عنده هي الهواء، وبعمليتي التخلخل والتكاثف تحول الهواء لكل ما نراه من عناصر؛ فتخلخل الهواء يولد النار وما يرتبط بها، وتكاثف الهواء يولد الماء، ومن ثكاثف الماء تولد الأشياء الأكثر صلابة كالتراب.

إن فلاسفة ما قبل سقراط يصل عددهم تقريبًا إلى اثنى عشر مُفكرًا، اتفقوا جميعًا في السؤال المُراد الإجابة عنه، إلا أنَّهم اختلفوا اختلافًا جذريًّا في رؤيتهم للعالم والعناصر المكونة له، رغم تقارب الأزمنة و المسافات بينهم، وكذلك المعرفة المتوفرة لديهم.

ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الفلسفة هي وجهة نظر تجاه العالم والحياة والإنسان، كما أن الفلسفة ليس من تخصصها أن تؤكد لك نظرية وتنفي أخرى، أو تفرض عليك رؤية يقينية للعالم، وإن كانت العلوم الطبيعية قد تولت الآن البحث المادي في الكون، فهذا في صالح الفلسفة لا ضدها، إذ كيف تُعلمك أن تكون حُرَّ الفكر وهي تُقدم لك نظريات مُثبتة؟! وهذا أيضًا لا يُقلل من شأن العلوم الطبيعية، ولكن يُعطي الحقوق لأصحابها.

مرة أخرى دعني أطلب منك أن تتخيل نفسك في المكان ذاته الذي كنت فيه عند بداية قراءتك، ولكنك الآن تعرف هذه النظريات الثلاث.

أيًا منها تراه أكثر منطقية، وأحق أن يُصَدق؟ أم هل لديك رؤية أخرى؟!

شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك