اقتباساتقضية الشهر

مسؤولية المتعلم عند غياب شخص المعلم

ربما من أوائل ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة بين المعلم والمتعلم، قصيدة شوقي “قم للمعلم وفّه التبجيلا” ، ومعارضة إبراهيم طوقان لها في قصيدته “الشاعر المعلم”.
وعلى صراحة الثانية واقعيًا وصدق الأولى من حيث المبدأ، فالعلاقة التي تربط المتعلم بالمعلم في عصرنا اليوم لم يعد محورها المعلم كما كان وقتها، فعصر اليوم هو عصر الصناعات: صناعة الذات وصناعة العلم وصناعة المعلم، ومن لا يصنع بيديه يهدر نفسه بيديه!
فقد كان العلم مُلْكا لمن يُغالي الثمن وهو اليوم لؤلؤ مَكنون لمن يُحسِن التنقيب عنه. اليوم أمامك كل هذه الامتيازات، من الانترنت، إلى الوسائط المرئية والمسموعة، إلى وفرة في الكتب لم نشهد لها مثيلًا، فالمعرفة لم تكن متاحة من قبل للكل سواسية وبالمجان، كما هي في عصرنا اليوم. ومن ثَم لم يعد التعلم اختيارًا ولا التفوق رفاهية لمن أتيحت له كـــل تلك الامتيازات ، بل صار حتمًا وواجبًا وأمانة، لابد من الوفاء بها .
ألم تر يومًا عاملًا من عمال النظافة أو كنّاسي الشوارع؟ ألم تساءل نفسك يومًا عن الفرق بينك وبينهم؟ ما الذي جعلك أنتَ أنت وهُم هم؟ ألم تتفكر يومًا في آلاف المشردين حول العالم، الذين لا حظ لهم من أبسط مطالب الحياة الإنسانية الكريمة، بل لعل بعضهم يُمضي سحابة يومه بحثًا عن قُوتِه في حاويات القمامة، في حين أنك تتمتع برفاهية التعلم التي وفرتها لك أسرتك مجانًا؟ ألا تستشعر ثِقَل هذه الأمانة؟ أنك ولدت بإمتيازات أسبغها عليك منصب، لم يكن لك فضل في تحصيله، فلا أقل من أن تشكر تلك النعمة علها أن تدوم.
يقول الشيخ محمد الغزالي، في كتابه “جدد حياتك”: “لكل نعمة وهِبَة حقها علينا، وهو استثمارها فيما خُلقت له، وذلك من صميم شكر الله تعالى ، وخلاف ذلك هو من الجحود”.
غياب “شخص” المعلم لم يعد عَقَبة أمام من أراد أن يتعلم

وشَدَّ ما أتعجب لِمَا أرى من التهافت على الدّوْرات و”الكورسات” التي يتولى الأهـــل عبء الإنفاق عليها، في حين أن كل شيء اليوم بلا مغالاة يمكن تعلمه ذاتيًا، لمن أراد أن يفعل، فالمواقع والكتب والدورات والشروح الإلكترونية على الانترنت، ما خَلَّت ولا أَبقَت فرعًا من المعارف إلا ولها فيها نصيب .
خذ مثلًا أي لغة أجنبية – بما فيها اللغات الإفريقية والآسيوية – تَجِدْ لها آلاف المواقع، ذاتِ المواد المقروءة والمرئية والمسموعة، لشرحها بإسهاب.
والمقبلون على تعلم اللغة العربية، يتوافر أمامهم آلاف المواقع والكتب الإلكترونية، لتعليم اللغة العربية بلغات وسيطة – أشهرها الإنجليزية، وعلوم القرآن نفسِها من تفسير وتجويد، كلها صارت متاحة في فيديوهات على اليوتيوب، أو مواقع متخصصة، وكثير منها – لمن أحسن التنقيب – بكفاءة الشيخ المعلِّم.
ومكتبات العالم كلها صارت مفتحة الأبواب على الانترنت، والعديد العديد منها مجاني، بل إن المكتبات العربية الإلكترونية أحرزت تقدمًا ملحوظًا مؤخرًا. والبرامج والدورات التي تتطلبها الشركات الكبرى مثلICDL و TOEFL وبرامج التصميم والجرافيكس والفلاش والفوتوشوب، كلها مشروحة بالصوت والصورة، ومتاحة في كثير من المواقع بالمجان، وفي بعضها بأسعار رمزية .
والجدير بالذكر الطَّفْرة التي ظهرت مؤخرًا في المنتديات المخصصة للإجابة على الأسئلة، في أي حقل من حقول العلم والمعرفة، فهناك منتديات لغوية وأخرى علمية أو أدبية أو رياضية، متوافرة بالعربية وبالإنجليزية وغيرهما من اللغات. وحتى الفتاوى والاستشارات الطبية والاجتماعية صارت لها مواقعها الموثوقة .
والتشكيك المستمر في مصادر الانترنت وموارده، صار حُجَّة قد وَهَنَت خيوطها، فالمصادر الموثوقة في ازدياد، والباحث الانترنتي – كغيره من الباحثين – يكتسب خبرة في طرائق البحث، وحَدْسا يُمَكنّه من تمييز الغَثِّ من السَّمين، ولكن الأمر يحتاج لمِران ودأب ومثابرة، شأنُ أي خبرة أو مهارة يكتسبها المرء في الحياة .
ومن طرائف ما قيل لي حين كنت أعدّد فوائد الانترنت، أن استخدامها كثيرًا ما يُحْوِج المستخدمَ لمعرفة اللغة الإنجليزية، وذلك حق، لأن الانترنت العربية لازالت بحاجة للمزيد من التطوير والإمداد المعرفي، فيَحْسُن الاستعانة بلغة أجنبية وأشهرها الإنجليزية، في أمور البحث العلمي بالذات. ووجه الطرافة في ذلك القول، أن ما تخيله القائل عقبة أمام استعمال الانترنت، يُمْكِن في الحقيقة التغلب عليه باستعمال الانترنت، من خلال آلاف المواقع التي تعلم الإنجليزية، مــن بينها مواقع عربية كذلك! وهكذا تصير العقبة غَلَبة، ويتحول الفشل إلى نجاح، بالجهد الذاتي وسعي الفرد في تطوير نفسه بنفسه .
إن شخصك الحالي الذي وصلت له في هذه السن هو محصلة تراكم تربوي ومعرفي في السنين الماضية . وشخصك المستقبلي ما هو إلا تراكم ما ستجمع في هذه السنين الحالية من لَبِنات جديدة. إن لم تضف لشخصك شيئًا الآن، فسيظل البناء عند تلك التراكمية الأولى – التي إلى حد كبير كان لوالدينا وللعوامل الخارجية عندنا أثر فيها بنسبة أكبر منا – ، ولذلك تجد أناسًا يتقدمون في السن لكنهم لا يكبرون ، ويمضي بهم العمر وهم لا يمضون قُدُمًا في معترك الحياة.
أمثلة قنوات للتعليم الذاتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/user/tahriracademy
https://www.youtube.com/user/JenniferESL
https://www.youtube.com/channel/UCd8bj8x0KDWVu5bjpD-y8Ag/playlists
https://www.youtube.com/channel/UCmb5yRHQqGyzRH-VEPz90mA
https://www.youtube.com/user/3arabfuture

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومترجمة ومحاضِرة ، في الأدب والفكر وعمران الذات . محررة لغوية ومترجمة . حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز ، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها
زر الذهاب إلى الأعلى