الطلاب العرب في باكستان.. من شبح الحرب على الإرهاب إلى الربيع العربيّ

7 نوفمبر , 2015

غدت الباكستان وجهة العديد من الطلبة العرب لإتمام دراستهم الجامعيّة، بعيدًا عن تعقيدات الإجراءات التي قد لا تخلو منها أي جامعة عربيّة، وخصوصًا لمن أراد دراسة تخصص الطب أو الهندسة، وهربًا من التكلفة الماديّة الباهظة التي يتكبدها الطّالب وعائلته طوال سنين دراسته.

لعل هذه بعض الأسباب التي قد تفسر سبب توافد الكثير من الطلاب العرب سنويًا إليها، فباكستان تمتلك ميزات عدة تفتقدها دولهم أهمها ارتفاع المستوى التعليميّ، فلقد صنفت ست جامعات باكستانيّة عريقة ضمن لائحة أفضل ٨٠٠ جامعة في العالم للعام ٢٠١٥، منها جامعة “نست” للتكنولوجيا والعلوم برتبة ٥٠١ وجامعة “قائد أعظم” برتبة ٦٥١ وجامعة “لاهور” برتبة ٧٠١.

طلاب عرب: الباكستان “فرصة ذهبيّة” للتعليم.

image

 

ولنتطلع على هذه الظاهرة عن كثب، أجرت “شبكة زدني” استطلاعًا ضمّ عدة طلاب وخريجين عرب من الباكستان من مختلف الأعمار والجنسيّات ليعكسوا لنا آراءهم ويطلعونا على تجربتهم في هذا المجال.

لقد أكّد أغلب المشاركين بالاستطلاع أنّ سمعة الجامعات في الباكستان وارتفاع مستواها الدراسيّ يعدان من الأسباب الرئيسيّة في جذبهم للدراسة في الباكستان، يأتي بعد ذلك الحياة الرخيصة وسهولة القبول ممّا يجعل من الباكستان “فرصة ذهبية” للطالب العربي على حدّ تعبير قصي عاهد البيتاوي، طالب الهندسة الميكانيكيّة في السنة الثالثة في الباكستان. ويضيف البيتاوي أنّ فرصة دراسة التخصصات العلميّة عالية في الباكستان ممّا يشدّ الطالب العربيّ الذي لم يحظ بفرصة مماثلة في بلاده بسبب قلة المقاعد أو تدني مستواه الدراسيّ.

أمّا الدكتور عمر، خريج طب أسنان من الباكستان يعتقد بأنّ المنح التي تقدمها جمهورية الباكستان الشقيقة للطلبة العرب، وقوة التدريس في الجامعات الباكستانيّة، جعلت سمعة خريجي جامعات الباكستان ممتازة، ويلفت النظر إلى أنّ الطالب العربيّ يلقى ترحيبًا كبيرًا من الطلبة الباكستانيين الذين يُظهرون حبهم للعرب وللتعرف على عاداتهم وحياتهم.

ورأت شيرين مطر خريجة الهندسة الكهربائيّة من جامعة تاكسيلا، أنّ سهولة القبول في جامعات الباكستان قد تعدّ السبب الرئيسيّ الذي يجذب الطالب العربيّ للدراسة في الباكستان مقارنة بتعقيدات إجراءات القبول في البلاد العربيّة.

ومن المؤكد أنّ الدراسة في دولة غير عربيّة لا تخلو من الصعوبات والتحديات التي يواجهها الطالب القادم من بيئة وثقافة مختلفتين مقارنة بأحوال الطلاب العرب في الباكستان، فما هي أهم تلك الصعوبات التي قد يواجهها الطلاب العرب في الباكستان؟
لقد أكّد العديد من المشاركين في الاستطلاع أنّ حاجز اللغة هو أوّل التحديات الذي على الطالب أن يجتازها، فلغة التعليم في الباكستان هي الإنجليزية،أمّا اللغة الوطنية فهي الأوردو ممّا يضطر الطّالب العربيّ لتعلم اللغتين في آن واحد ممّا يزيد عليه الأعباء فوق دراسته لمواد تخصصه.

لكن أسماء السيّد، خريجة ماجستير إعلام من الجامعة الإسلامية في إسلام أباد تُؤكد أنّ هذا التحدي يجعل من الباكستان المكان المناسب للطّالب الشغوف بتطوير لغته الإنجليزية ليتخرج منها بلسان طلق ومستوى تعليم عالٍ.

 

ما بعد الحادي عشر من سبتمبر:

عندما عصفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يكن لباكستان مفر من أن تصبح في قلب الحدث آنذاك، حيث أُرغمت على المشاركة في الحرب ضد الإرهاب، وكان يعتقد أن إقليمها الشماليّ “خيبر بختون خوا” يحتضن مقاتلي طالبان وعوائلهم، فتغيرتْ الموازين وتغيرت الحسابات، فبعد أن كانت الباكستان تستقبل بسهولة العرب القادمين إليها أثناء الحرب ضد السوفييت في أفغانستان، بدأت تقييد الدخول إلى أراضيها، بوضع قوانين صارمة خصوصًا بعد أن ألقت الحكومة الباكستانيّة القبض على العديد من العرب المشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة أو حركة طالبانآنذاك وتسليم بعضهم للولايات المتحدة.

لقد تعرّض العديد من العرب للمضايقات والتتبع من قبل السلطات الباكستانيّة في تلك الحقبة، واضطر العديد منهم لترك البلاد والعودة إلى وطنه، وقد أثّر ذلك على مستقبل العديد من الطلبة الذين اضطروا للبحث عن ملاذ آخر.
توضح الدكتورة خنساء الجاجي، خريجة دكتوراه لغة عربيّة من جامعة بيشاور، ومقيمة في بيشاور لأكثر من عقدين، لـ”شبكة زدني” أنّ التسفير كان حليف الكثيرين ممن اشتبهت بهم حكومة الباكستان، ولا شكّ أنّ بيشاور نفسها، المدينة التي تقع في إقليم “خيبر بختون خوا” المتاخم لأفغانستان فقدت عددًا كبيرًا من العرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فكلّ من عاش هناك يعرف كيف كان يطلق على أحد أحياء بيشاور “عرب آباد” بدلًا من اسمه الأصلي “حياة آباد” لكثرة العرب في تلك المنطقة آنذاك لكن سرعان ما تبدل الحال ليبقي فيها بضعة عوائل تعدّ على أصابع اليد الخمسة.

يُروي لنا الطالب “س” مفضلًا حجب هويته، وهو طالب سابق في الباكستان، ما مرّ على الكثير من الطلبة العرب آنذاك، وهو نفسه قد سفر لأسباب تتعلق بضغط وتتبع الحكومة الباكستانيّة له. فيؤكد أنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أثّرت بشدة على حال الطلبة العرب والدليل على ذلك أنّ أعداد الطلاب قبل الأحداث كانت عشرة أضعاف ما بعدها.

أمّا عن تعامل الحكومة الباكستانيّة مع الطلبة العرب، فيضيف الطالب “س” في حديثه لـ”شبكة زدني” أنّها تعاملت مع العرب كعصابة مافيا -على حدّ تعبيره- تلاحق وتستغل دون رقيب ولا مراعاة لحقوق الإنسان فضلًا عن حقوق الطلبة. ويُشير إلى “أنّ هناك حالات عديدة لطلاب عرب اختفوا وهم على مقاعد الدراسة ليتفاجأ ذووهم بعد حين أنّهم يقبعون في أقبيّة المخابرات الباكستانيّة، فضلًا عن تتبع الحكومة لآخرين منهم ومضايقتهم حتى ينتهي بهم المطاف بترك الدراسة والسفر”.

أمّا ليلي سلامة خريجة جامعة البنجاب فتؤكد هي الأخرى أنّ الطلبة العرب تعرضوا لمضايقات جمّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وجدير بالذكر أنّ هناك الكثير من الشهادات التي يمتنع أصحابها عن الإدلاء بها نظرًا لحساسيّة الموضوع فيكتفي أصحابها بوصف ما تعرضوا له “بالمضايقات” و”التتبع”.

 

من شبح الحرب على الإرهاب إلى الربيع العربيّ:

لم تكن الباكستان الدولة الوحيدة التي ضيّقت الخِناق على الطلبة الأجانب في بلادها، فمن المعروف أنّ الحرب على الإرهاب قدمت للحكومات الديموقراطيّة والديكتاتوريّة على حدّسواء “كارت بلانش” أيّ شيك على بياض، للقمع والتضييق والتشديد على الشعوب، تحت حجة الحرب على الإرهاب، وقد تعاونت الدول فيما بينها على ذلك.

أمّا وقد انقضى عهد الحادي عشر من سبتمبر وتجلّياته اليوم، فقد بدأت الحكومة الباكستانيّة بتسهيل طلبات الطلبة العرب للدراسة في الباكستان شيئًا فشيئًا، لكن المشكلة الكبيرة اليوم باتت في الحكومات العربيّة، التي لا زالت تعزف سيمفونيّة الحرب على الإرهاب، وتتخذها حجة لتُضيّق الخناق على مواطنيها بشدة، بعضها ليسحق برياح الربيع العربيّ، والبعض الآخر ليمنع وصوله إلى عتبات بابه، فصار السفر إلى الباكستان تهمة جاهزة أمام الحكومات العربيّة، لكنّ من جهة الباكستان، فإنّ التغيير الديموقراطيّ الذي تشهده البلاد قد ساهم بتحسين الجوّ العام للبلاد، وعزز ثقتها في علاقتها مع الدول الأخرى خصوصًا العربيّة.

يُؤكدّ إياد بسام، الطالب في مرحلته الخامسة، في جامعة الهندسة والتكنولوجيا في تاكسلا، على أنّ الحكومة الباكستانيّة لا تفرض مضايقات أو تتبع على الطلبة العرب اليوم بل وأنّ الطلبة الباكستانيين يستقبلون الطلبة العرب برحابة صدر، لكنّ المضايقات قد تتولد بسبب الفرق الماديّ أو التعليميّ بين الطرفين وليس لأسباب سياسيّة.

أمّا من وجهة نظر عبد الرزاق العطيش، خريج الطب من حيدر أباد في الباكستان، فيؤكد في حديثه لـ”شبكة زدني” من وحيّ تجربته، على أنّ الباكستان شددت إجراءات القبول على الطلبة العرب، كفرض اجتياز امتحان سات والتوفيل للقبول بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عدا عن استغلال موظفي الهجرة والجوازات التشديدات بفرض الرشاوي على الطلبة لتسهيل معاملاتهم.

ويفيد بأنّ “عدد الطلاب العرب تتقلص بمعدل ١:٥ في “حيدر آباد” ففي عام ٢٠٠٩ كان هناك ما لا يقل عن ٥٠٠ طالب عربيّ في المدينة ليتقلص اليوم إلى ٧٠ فقط”.

وترى عيّنة من الطّلبة العرب، في حديثها لـ”شبكة زدني” بأنّ الباكستان تبقى اليوم الخيار الأفضل للطالب العربيّ، الذي حُرم من دراسة التخصص الذي يحب في بلاده لأسباب اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو حتّى سياسيّة، فرغم التضييق في باكستان، إلّا أنّ اجتيازها أهون من اجتياز التضييق في الدول العربيّة على طلابها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

Avatar
عبدالرحمن الصومالي منذ سنتين

اخي العزيز السلبيه الوحيده التي رأيتها في باكستان طوال فترة دراستي كانت الرشاوي ،،خصوصا في إجراءات السفر والخروج والعوده،،،ولكن ضع في حسبانك ان الطلبه العرب الاخوه من فلسطين والسودان هم من يلام عندما تتم ملاحقتهم وذلك لإنشاءهم احزاب وفرق و حركات سياسيه موجوده في بلدانهم الاصليه مثل فتح وحماس والحزب الموالي للحكومه السودانيه والمعارضه ،،الخ

Avatar
د عبدالله منذ 4 سنوات

تتميز باكستان عن سواها من الدول العربيه هو وجود المعاهد ومراكز تعليميه خاصه منتشره بشكل كبير ورخيص التكلفه لمن يريد التقويه في اي ماده علميه. وكذلك دورات خاصه برسوم بسيط وهذا حال كثير من الدول ذات الكثافه السكانيه.من جهه اخرى من يريد دراسه الطب من الطلاب القادم من الدول العربيه عليه النجاح في امتحان السات في الفيزياء والاحياء والكيمياء وبدونه يتعذر القبول في الجامعات.كان هذا الشرط ساريا على كل الاجانب لكن الغي هذا الشرط على الايرانيين.ولان السفارات العربيه لاتريد مجئ العرب الى هنا وبالتالي تعقد الامر على العرب وصعب.مع العلم بان تخوف الحكومات من ان باكستان فيها التطرف والقاعده وغيره وهذا للامانه ليس موجود ويكاد يكون منعدم تماما.

Avatar
أبوبكر حميد نيازي منذ 4 سنوات

ما شاء الله، بارك الله فيك، المقال رائع…. نحب العرب اليوم كما كنا نحبهم فيما مضى.

أضف تعليقك