كيف أثرت الأزمة السورية في طلاب الجامعات والخريجين؟

13 مارس , 2017

لم يكن يعلم مهند -الحاصل على شهادة الاقتصاد من جامعة الفرات في سوريا- أنه سيأتي عليه حين من الدهر يقف فيه على آلة تعليب المنتجات الغذائية في أحد المعامل التركية، بدلًا من أن يكون في مكتب مكيف داخل معمل أو شركة تجارية في وطنه سوريا، يصمم جداوله الحسابية، ويمارس ما تعلمه في سنوات دراسته التي يقول إنه بذل فيها جهدًا كبيرًا حتى نال شهادة الاقتصاد.

مهند فاروق الحاضر، جامعي من بين آلاف الجامعيين السوريين الذين شردَتْهم الحرب في البلاد، وأبعدتهم عن وطنهم وعملهم ومستقبلهم الذي ظلوا يحلمون به على مدار سنوات دراستهم في الجامعات والمعاهد والمدارس.

يقول مهند، وهو يقف أمام آلته يراقب سير العلب من أمامه مشبِّهًا إياها بأيام عمره التي تمضي دون أي بارقة أمل من شأنها أن تحسن من ظروفه، وتحقق له بعضًا مما كان يحلم به: “حالي كحال آلاف السوريين الجامعيين الذين أثرت عليهم الأزمة في سوريا وأجبرتهم على المغادرة، تاركين وراءهم مشاريعهم التي كانوا يخططون لتنفيذها بعد حصولهم على شهاداتهم الجامعية”.

مهند أوضح أنه فَوْر دخوله لتركيا عام 2014 حاول مرارًا التكيف مع الصدمة التي ألمت به، خاصة أنه كان قد تخرج قبل عدة أشهر، وأنه لولا ملاحقة جهاز مخابرات نظام الأسد له لما غادر سوريا.

وتابع في هذا السياق، تخرجت بدرجة جيد جدًّا وذهبت لأقدم على وظيفة في إحدى الشركات بالعاصمة دمشق، لكني تفاجَأْت لاحقًا بأنني مطلوب للنظام كآلاف بل الملايين ممن طالبوا بالحرية في هذا البلد.

وأوضح قائلا، إنه عند وصوله لتركيا تقدم لعدة جامعات لعله يحظى بفرصة نيل درجة الماجستير التي كان يتطلع لنيلها سابقًا في بلده، إلا أن شروط الدراسة هناك صعبة بعض صعوبة ومعقدة وعلى رأسها اللغة التي تعد عائقًا كبيرًا للطلاب الذين أمضوا دراستهم باللغة العربية أو الإنجليزية، مثل مهند.

وأضاف: “لم أستطيع أيضًا العمل بشهادتي في المؤسسات التركية بسبب اللغة، ولرفض الأتراك توظيف الشهادات السورية إلا بعد معادلتها وهذا أمر مستحيل بالنسبة للاجئين الجامعيين، الذين بات همهم الأكبر الآن هو البحث عن أي عمل لكي يتمكنوا من العيش”.

 

الاعتقال ومشكلة الوثائق

 

أصبحت مسألة متابعة الدراسة الجامعية في سوريا مشكلة كبيرة جدًّا تواجه الشباب السوري بسبب تردي الوضع الأمني بالبلاد، ويعتبر التهديد بالاعتقال من أكثر المخاوف التي تتملك الشباب الجامعيين في المناطق التي تخضع لنظام الأسد، إذ أن الإجراءات التعسفية التي يتبعها عناصر النظام تجعل الطلاب مترددين في الذهاب إلى الجامعات والمعاهد للدراسة، بحسب ما قاله ناصر العبدالله، الذي يدرُس في السنة الرابعة بكلية طب الأسنان بجامعة دمشق.

وقدَّر ناصر أعداد الشباب الجامعيين الذين تعثرت دراستهم وهربوا من سوريا إلى دول الجوار بقرابة 150 ألفًا، وأضاف، أن آلاف الطلاب تم فصلهم من الجامعات بشكل نهائي بسبب نشاطهم الثوري ضد النظام.

كذلك كان رأي الطالب أحمد فياض، الذي يشارف على التخرج من جامعة حلب، والذي اضطر للتخفي خوفًا من الاعتقال بسبب مشاركته في الثورة وتصويره المظاهرات.

ويأمل أحمد أن يتمكن من متابعة ما تبقى له من دراسته والحصول على الشهادة في أي دولة، ويرى أن مشكلته الدراسية جزءًا بسيطًا مما دفعه الشعب السوري من ثمن في سبيل حريته.

وفي هذا الإطار تبين أرقام اتحاد الطلاب السوريين الأحرار، أن آلاف الطلاب الجامعيين قتلوا خلال الثورة، بعضهم  قضى تحت التعذيب في الفروع الأمنية.

وتضيف بيانات اتحاد الطلاب الأحرار، أن كثيرًا من الطلاب هربوا من سوريا دون أن يحصلوا على أية وثائق تثبت أنهم جامعيون، مما يعني أنهم خسروا تمامًا سنوات دراستهم السابقة وعليهم البدء من الصفر، بينما لدى آخرين أوراق ليست كاملة، ولا تستوفي متطلبات الجامعات في الدول الأخرى.

ويوضح الاتحاد أنه يعمل على التسجيل المشروط في الجامعات، حيث يخضع الطالب لامتحان سبر معلومات مع شرط عدم تسليمه شهادة التخرج لحين استكمال الأوراق.

وأضاف أن هناك جامعات تغاضت عن موضوع الوثائق بعد فحوص سبر معلومات عامة وتخصصية. وأن تركيا هي الدولة الوحيدة التي وافقت على اعتماد الأوراق والشهادات التي يصدرها الائتلاف الوطني السوري المعارض الخاصة.

 

 خطر توقف التعليم

وعن خطر توقف العملية التعليمة في المدارس والجامعات بسوريا، يقول أستاذ في كلية الأدب العربي جامعة حلب -هو محمود الشريف- “إن الخطورة تكمن في الجهل الذي بدأ يظهر في الجيل الجديد” وأكد أنه إن دُمِّر هذا الجيل فلن يكون للثورة معنى.

ويوضح الشريف الذي انتقل للعيش والعمل في المناطق المحررة أهمية أن يتابع الطلبة الجامعيون داخل سوريا دراستهم وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، مؤكدًا على ضرورة افتتاح كليات واستئناف الدراسة، وإن كانت الظروف صعبة تحت النيران.

والكاتبة الأكاديمية الدكتورة سماح هدايا تشجع من جانبها الجامعيين السوريين المنقطعين عن الدراسة على التسجيل في برامج التعليم الأجنبية كبرامج (IGCSE/GCE)  ودراستها والتقديم عليها في المراكز الثقافية الأجنبية المنتشرة في كل مكان، وأشارت الدكتورة هدايا -في حديثها- إلى أن هذه الطريقة تفتح لهم أبوابًا للتقديم على المنح الجامعية في الدول الأوروبية.

ولفتت إلى أن الطلاب السوريين قدموا ثمنًا كبيرًا في مقدمته تركهم للدراسة بعد هروبهم من مناطق نظام الأسد الذي لاحقهم بسبب الثورة، وهذا الهروب والابتعاد عن الدراسة شكل لديهم أذًى نفسيًّا وصدمة تمثلت بعدم رغبتهم من إكمال دراستهم، بحسب تقديرها.

وأوضحت أن هذه الحالة يجب أن تخلق لدى الطالب الرغبة والإصرار على متابعة الدراسة من جديد وبعزيمة أكبر.

وعززت الدكتورة سماح رؤيتها تجاه التعليم بهذه البرامج، بالقول إن توفير فرص التعليم لا يقتصر على الحكومات بل يقع بالدرجة الأولى على عاتق الطالب، الذي عليه أن يبذل جهدًا كبيرًا ويخوض التجربة.

وفي هذا السياق أشارت الكاتبة الأكاديمية إلى أن الجامعات الأجنبية المتميزة لا تقبل أي متقدم إليها للدراسة، موضحة أن الطالب في هذه الجامعات عليه أن يحصل على علامات عالية وأن يكون لديه خدمة اجتماعية ولديه توصية من مدرسيه؛ لكي يتمكن من دخول الجامعة، على عكس ما هو معمول به في الوطن العربي وسوريا، وهو أن دخول الجامعات يتم بعد الحصول على الشهادة الثانوية فقط.

 

تسهيلات تركية للسوريين

دفع ارتفاع عدد الطلاب الجامعيين السوريين المقيمين في تركيا، الجامعات التركية لوضع خطة لاستقبالهم، بعد حرمانهم من إكمال دراستهم في سوريا جراء الحرب، وذلك بتخصيص مقاعد إضافية لا تؤثر على المقاعد المخصصة للطلاب الأتراك، بحسب تصريحات وزير التعليم التركي “نابي آوجي”  منتصف أيار 2015 .

وتشترط المنح المقدمة من الحكومة بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة، ألا يتجاوز عمر المتقدم 26 عامًا، كما توَفِّر للطلاب المقبولين سكنًا ومصاريف النقل والمواصلات، وراتبًا شهريًّا لتغطية التكاليف المعيشية.

في تركيا تدرس إيلاف عبد القادر، وهي شابة عشرينية من ريف دمشق، في قسم الهندسة بجامعة إسطنبول بعد حصولها على منحة دراسية العام الماضي.

وتؤكد إيلاف أن الفرحة لم تسعها حين جاء رد الجامعة بالموافقة على طلب التحاقها بقسم الهندسة بعد أن قدمت على المنحة، وقالت إيلاف: لم أكن أتوقع أنني ممكن أن أعود إلى مقاعد الدراسة مجددًا بعد أن تحطمت جميع أحلامي وأنا أغادر جامعتي في سوريا بسبب الحرب وانعدام الأمان.

وأكدت إيلاف أن مئات الطلاب يتقدمون إلى الجامعات التركية عبر المنح، لكن أعدادًا قليلة منهم فقط التي تتمكن من تحقيق الشروط المطلوبة في إشارة منها إلى صعوبة الأوراق اللازمة للمنح التركية.

وتعتمد معظم  الجامعات في تركيا نظام معادلة المواد مع الجامعات السورية، وتختلف كيفية التسجيل فيها والأوراق المطلوبة، لكن دائمًا ما يطلب من المتقدمين خوض امتحان الطلاب الأجانب «yos» وهو امتحان يحوي أسئلة ذكاء ورياضيات ويعتبر بمثابة تقييم للطلاب الأجانب يوازي الشهادة الثانوية، وهو ما اعتبره كثير من الجامعيين عائقًا كبيرًا أمام إكمالهم في الجامعات التركية، مبررين ذلك، بأن الامتحان يأتي باللغة التركية التي ليس لديهم عنها فكرة من قبل وحتى إن كانوا تعلموها في معاهد خاصة في أثناء فترة تواجدهم في تركيا، فإن المعلومات المطلوبة بامتحان «yos» لا تحمل هوية محددة لاختصاص بعينه؛ لذلك فشل الكثير في تجاوز هذا الامتحان.

 

حلول.. جامعة في المناطق المحررة

وفي متابعة، لقضية الجامعيين السوريين في تركيا والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وللوقوف أكثر على الحلول التي يمكن أن تساعدهم في تدارك هذه المشكلة، التقينا الدكتور عبدالعزيز دغيم وزير التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، الذي لفت إلى أنهم لا يستطيعون توفير فرص لخريجي الجامعات المتواجدين في داخل مناطق المعارضة أو حتى في تركيا، وأن هذا الأمر مرتبط بسوق العمل والمنظمات المهتمة بالتعليم بشكل مباشر، حيث يقع على عاتقهم توفير فرص عمل لحملة الشهادات من السوريين.

وأكد وزير التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، أن الوزارة تولي بالدرجة الأولى اهتمامها للطلاب المنقطعين عن دراستهم في الداخل إضافة إلى طلاب الدراسات العليا المنقطعين أيضًا والذين يرغبون بالإكمال، مشيرًا إلى أنهم يبحثون لطلاب الدراسات عن فرص في الخارج لحل مشاكلهم، وأضاف أن الحكومة تعترف بنفسها أنها لا تستطيع أن تحل كل المشاكل، و”هي تقدم حلول قدر المستطاع” بحسب تعبيره.

وقال: “إن الحكومة المؤقتة افتتحت في عام 2015 2016 جامعة حلب الحرة، بالمناطق الخاضعة للمعارضة، واعتبر أن هذه الجامعة هي إحدى الحلول للطلاب الذين حصلوا على شهادة الثانوية حديثًا، لكنها تعاني من ضعف في الكادر والتمويل، موضحًا أن الجامعة  تضم كليات مختلفة تبدأ من الطب البشري وتنتهي بالمعاهد (طب بشري، وطب أسنان، وهندسة معلوماتية، واقتصاد، وحقوق، وأدب عربي وإنجليزي، وكلية تربية، وتمريض، وهندسة زراعية) حسب قوله.

وأردف الدكتور عبد العزيز قائلًا: “إن الكادر التدريسي في جامعة حلب الحرة، هم من أصحاب الاختصاص الذين كانوا يدرسون في الجامعات السورية التي هي الآن تحت سيطرة النظام، مشيرًا إلى أنهم يتبعون منهاج جامعة حلب (في مدينة حلب) في التدريس، وهي التي تعد من الجامعات العريقة في سوريا والعالم ولها كود عالمي” بحسب وصفه.

وأوضح وزير التعليم العالي أيضًا أن كليات ومعاهد جامعة حلب الحرة تنتشر في أكثر من 50 موقعًا في المناطق المحررة، مثل أرياف حلب وإدلب وحمص المحاصرة والغوطة الشرقية والقنيطرة.

وبخصوص الطلاب الذين يريدون الإكمال في الدراسات العليا بجامعة حلب الحرة، قال الدكتور عبد العزيز، لفريق زدني: “لا نستطيع إطلاق برنامج دراسات عليا في أي كلية ما لم يكون لدينا ثلاث دكاترة واحد منهم يجب أن يكون أستاذ مشارك وهذه الإمكانية نفتقد لها في المناطق المحررة”.

واستدرك: “استطعنا أن نوفر فرص للطلاب الراغبين بالدراسات العليا في تركيا ضمن البرنامج العربي، شرط أن يكون في البرنامج ثلاث دكاترة عرب أو سوريين”.

وعن وضع الطلاب الذين لم يستطيعوا سحب أوراقهم من الجامعات بسبب الملاحقات الأمنية أو ضياعها وتلفها بسبب القصف، أكد وزير التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، أن في هذه الحالة نأخذ من الطالب الراغب في إكمال دراسته في جامعة حلب الحرة، تعهد بأنه ناجح في المواد التي يذكرها، ونسمح له بالتقديم ونعطيه وثيقة إتمام، وليس شهادة تخرج وذلك إلى حين انفراج الأزمة وتمكنه من جلب أوراقه الرسمية من جامعته.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] ظروفه، وتحقق له بعضاً مما كان يحلم به، ويقول لشبكة “زدني” للتعليم: “حالي كحال آلاف السوريين الجامعيين […]

أضف تعليقك