كيف يتعلم اللاجئون العرب في السودان؟

30 يوليو , 2018

لم يكن يعلم “علي الصالحي” وهو طالب جامعي يمني أنه سيترك بلده بسبب الحرب، متجها إلى السودان لاجئًا يبحث عن فرصة عمل، ولإكمال تعليمه في إحدى جامعات السودان، بعد تركه تعليمه بسبب ويلات الحرب.

يعمل “الصالحي” في أحد المطاعم التي تُعِدُّ الأكل اليمني في مدينة الخرطوم، ويدرس في جامعة السودان، مع بعض الطلاب اليمنيين الذين جاؤوا إلى السودان للغرض نفسه، مشيرًا إلى أن عدد الطلاب اليمنيين في السودان تعدى الـ2000 طالب، منهم طلاب وافدون وليسوا لاجئين، ويأخذون رواتب شهرية.

 

ويضيف في حديثه لـ”شبكة زدني التعليمية” أن عدد الطلاب اليمنيين في الفترة الأخيرة تضاعف بسبب ظروف الحرب في اليمن، لافتًا إلى الدور الجيد الذي تقوم به السودان من إعفاء الطلاب اليمنيين من تأشيرة الدخول، وتخفيف الرسوم من قِبَل وزارة التعليم العالي السودانية علينا، حيث يتم معاملة الطالب اليمني معاملة الطالب السوداني.

 

وبحسب منظمات حقوقية، يتواجد في السودان نحو 110 ألف سوري، فيما تقدرهم منظمات رسمية بنحو 40 ألفا، منذ بداية الحرب في سوريا من أربعة أعوام، فيما يتواجد قرابة الـ10 آلاف يمني متوزعين في الخرطوم والولايات السودانية المختلفة.

 

مِنَح للاجئين

لم تكتفِ وزارة التعليم السودانية بمعاملة الطلاب السوريين واليمنيين معاملة السودانيين؛ بل عمدت إلى تقديم مِنَح دراسية متعددة، منها: منحة جامعة إفريقيا العالمية الخاصة، ومنحة مفتوحة السقف في كل الجامعات الحكومية السودانية.

 

وتقول “ريم زياد”: “إنها درست بإحدى المِنَح الدراسية التي تقدمها الحكومة السودانية للطلاب السوريين، لافتة إلى أن المنحة مفتوحة لجميع السوريين، يكون فيها قرابة 50 فرصة، وتشمل المنحة الدراسة من السنة الأولى للخامسة.”

 

وتضيف في حديثها لـ”شبكة زدني التعليمية”، أن المنحة لا تشمل الإعاشة والسكن، مشيرة إلى أن شروط الالتحاق لا تفرق بين الطلبة السودانيين والطلبة اللاجئين، فكليات الطب والصيدلة تقبل الطلاب الحاصلين على نسبة 90% تقريبًا، وكلية الهندسة 80%، في حين أن التخصصات الأدبية والشرعية تقبل الطلاب الحاصلين على نسبة 70% فما فوق.

 

وتؤكد “ريم” أن الجامعات الحكومية مثل النيلين وأم درمان الإسلامية تعامل الطلاب السوريين مثل الطلاب السودانيين، ولا تفرق بينهم في المصروفات الدراسية، وتعاملهم معاملة الضيوف لا اللاجئين، فلا نشعر بغربة في التعامل.

 

وفي تصريحات رسمية للرئيس السوداني “عمر البشير”، أعلن فيها عن فتح الجامعات السودانية للطلاب اليمنيين والسوريين ومعاملتهم معاملة الطلاب السودانيين.

 

وأشار إلى أن الجامعات السودانية فتحت أبوابها للطلاب اللاجئين من سوريا واليمن، وتعاملهم بالشروط ذاتها التي يخضع لها الطلاب السودانيون، كما فعلت من قبل تجاه الطلاب الصوماليين عندما اندلعت الحرب هناك.

 

معاملة الوافدين

وعلى الرغم من القرار الرسمي الذي أصدرته الحكومة السودانية، بمعاملة الطلاب السوريين واليمنيين معاملة الطلاب السودانيين؛ فوجئت “دعاء فاروق”- طالبة سورية، عند دفع رسوم الدراسة بأنها أصبحت دولارية، وأن إدارة الكلية أصبحت تعاملهم معاملة الوافدين!.

 

وتضيف لـ”شبكة زدني التعليمة”: “صُدِمْتُ أنا وزميلاتي من هذا القرار، ولو استمر هذا الأمر سنضطر لترك الدراسة بالطبع، مشيرة إلى أن إدارة الجامعة قالت: إن القرار لم يبين من هم السوريون الذين يحق لهم معاملتهم معاملة السودانيين، فهناك لاجئون وهناك وافدون مقيمون.”

 

وتتابع أنها لم تقدم في المِنَح التي تقدمها الحكومة السودانية للطلاب السوريين، لأن الرسوم الدراسية في الجامعات الحكومية كانت مناسبة، لكن بعد زيادتها هكذا؛ سأفكر في اللجوء لنظام المِنَح؛ لأنه من الصعب علينا توفير المصروفات بالدولار الأمريكي.

 

على نفقتهم الخاصة

يقول الطالب اليمني “سهيل محمد”: “إن الطلاب اليمنيين يعانون أمورًا كثيرة، منها الدراسة على نفقتهم الخاصة، مما يدعوهم إلى العمل من أجل توفير نفقات الدراسة والمأكل والسكن، فيؤثر سلبًا على تحصيلهم الدراسي.”

 

ويضيف لـ”شبكة زدني التعليمية”: “بالطبع يوجد طلاب يمنيون يتعلمون بالمجان، هم الطلبة المبتعثون، بعكس الطالب الذي يتعلم على نفقته الخاصة، وقد يتعرض لمواقف محرجة، مثل عدم استطاعته دفع نفقات الدراسة، أو تأخر دفع رسوم الماجستير والدكتوراه لطلبة الدراسات العليا.”

 

ويتابع “محمد”: “يتخوف أيضًا الطلاب اللذين يدرسون على نفقتهم الخاصة من سوء الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها أُسَرُهم في اليمن، وبالتالي توقف الدعم المالي، ويعجزون عن تسديد الرسوم الدراسية التي تبلغ 10 آلاف دولار لطلاب الدراسات العليا، وألفي دولار لطلبة البكالوريوس.”

 

عائق اختلاف اللهجة

تمثل اللهجة السودانية عائقًا عند الكثير من الطلاب، خصوصًا في التعليم الأساسي، مما أثر سلبًا على مستواهم الأكاديمي؛ لعدم فهمهم حديث زملائهم ومعلميهم السودانيين، بحسب حديث والد الطالب السوري “سليم محمد”.

ويقول في حديثه الخاص لـ”شبكة زدني التعليمية”: “وجدنا استقرارًا وحسن تعامل في السودان، لكن ما لفت انتباهي اختلاف المناخ واللهجة، وهذا انعكس سلبًا على ابني وإخوته، الذين لا يستطيعون التعامل مع أقرانهم.”

 

ويضيف “محمد”: “بسبب صعوبة اللهجة السودانية، جلبت لابني مدرسين سوريين مقيمين في السودان، يقومون بشرح المناهج لهم، بشكل سلس ومرن ومبسط؛ حتى يستطيعون اجتياز امتحانات آخر العام بتفوق.”

 

مدارس سورية سودانية

 

أدى عائق اللهجة السودانية إلى تسرب نحو 400 طالب سوري من التعليم، لذلك تم إنشاء مدارس سورية سودانية مشتركة، يتم فيها دمج الطلاب السوريين والسودانيين، وتكون الدارسة وفقًا للمنهج السوداني، ويتم تعليمهم من قبل مدرسين سودانيين وسوريين.

 

وتهدف هذه المدارس للقضاء على عقبات اللهجة والمناهج والتعامل مع أطفال لديهم ظروف نفسية صعبة خاصة، حيث استوعبت إحدى المدارس الشهيرة قرابة 250 طالبة سورية، في مبادرة مشتركة بين وزارة التربية والتعليم السودانية، واللجنة العليا لإغاثة الشعب السوري، ولجنة دعم العائلات السورية التي تضم عددًا من رجال الأعمال السوريين المقيمين بالسودان.

 

وبحسب تصريحات سابقة للجنة الشعبية السودانية لإغاثة الشعب السوري: إن العدد التقريبي للسوريين الذين لجؤوا إلى السودان بلغ 133 ألف سوري، ويقدر عدد الأطفال في سن التعليم بـ15 ألف طفل وطفلة، لكن هنالك صعوبات في إلحاقهم بالتعليم نظرًا لاختلاف المناهج، واختلاف جزئي للهجة، ولانقطاع الأطفال السوريين من التعليم لفترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات بسبب النزوح.

 

وأضافت اللجنة الشعبية: فإن “مؤسسة سمية بنت الخياط للبنات” تعد أول مدرسة سورية سودانية مشتركة توفر تعليمًا مجانيًا لأبناء السوريين الذين لجؤوا إلى السودان بسبب الحرب.

 

وتضم المدرسة ثمانية فصول للمرحلة الأساس، اختلطت فيها التلميذات السودانيات مع السوريات في صف واحد، وتتم الدراسة باللغة العربية الفصحى، من قبل 12 مُدَرِّسة سورية و 12 مُدَرِّسة سودانية، وإدارة مشتركة سورية سودانية.

 

التحدي شعار حياة

يعتبر “مركز المجد” لرعاية وتأهيل الطلاب اليمنيين في السودان، أحد المراكز الأهلية التي تهتم بالطلاب هناك، وتراعي حقوقهم ماديًا واجتماعيًا، ودائمًا ما توجه النصائح لهم.

 

وفي بيان خاص بالمركز طالَبَ الطلاب اليمنيون بعدم الاستسلام للظروف الصعبة التي يلاقونها من ظروف الحرب والغربة وترك الوطن، والمثابرة والتفوق في أي مكان وجدوا فيه.

 

وأضاف المركز في بيانه: على الطالب أن يتعرف جيدًا على الجامعة التي التحق بها من حيث مرافقها ونظامها الإداري ومتعلقات الدراسة، والتواصل الفعال مع الزملاء والأساتذة، وخلق صورة ذهنية جيدة له في الجامعة.

 

وأكد على ضرورة تعلم اللغة الأجنبية قائلًا: “إن كنت لا تتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل، فاعلم أنك لن تحقق الكثير، سواء في مسيرتك الجامعية أو مسيرتك المهنية هذا إن نجحت، إذن فهذه فرصتك لتتعلمها قبل فوات الأوان، وبالتأكيد تأتي اللغة الإنجليزية على رأس قائمة الأولويات”.

 

وطالَبَ “مركز المجد” الطلاب بضرورة تمويل النفس ماديًا، والعمل مع التعلم حتى وإن كانت ظروف الطالب المادية ميسرة، وألا ينسى أنه ليس في بلده، وفي أي وقت يتعرض لضائقة مادية، حينها سيستفيد من العمل الذي عمل به سابقًا، ولن تؤثر الظروف المادية على دراسته، مشددين على ضرورة تنظيم الوقت والموازنة بين العلم والتعلم.

 

وختم البيان بضرورة الثقة بالنفس، فهي سر نجاح الحياة وليس فقط الحياة الدراسية، فعلى الطالب أن يثق بقدراته، وبدون شك سيستطيع بعدها تحقيق الأفضل دائمًا، وتذكر أنت وحدك من ستتحمل مسؤولية نفسك.

 

مناهج تعليمية بسيطة

وعن أوضاع المناهج التعليمية في السودان وإذا ما كانت تناسب اللاجئين العرب فيها، قالت “سمية محمد”- باحثة مصرية في جامعة سودانية: من المعروف أن المناهج السودانية بسيطة جدًا، بعكس المناهج في دول عربية أخرى، فكانت بالنسبة للطلاب الوافدين واللاجئين مُيَسَّرة.

 

وتضيف في حديثها لـ”شبكة زدني التعليمية”: “بعيدًا عن وجود لاجئين يوفِد الأهالي أبناءهم للتعلم في السودان لسهولة المواد، وقلة المصاريف، وضمان نتائج عالية، كما أن الطلاب اللاجئين والوافدين يرون الشعب السوداني شعبًا طيب المعشر.”

 

وتتابع: “شهد التعليم العام والعالي تطورًا كبيرًا في السودان في العشرين عامًا الماضية، من خلال زيادة عدد المدارس والجامعات في معظم المدن السودانية وانتشارها في القرى أيضًا، إلا أنه حتى الآن لم يحدث تطوير جذري للمناهج، مما ينتج عنه انحدار مستويات الطلاب مقارنة بطلاب دول أخرى.”

 

وشددت على ضرورة وجود إصلاح جذري للتعليم العالي، الذي يعاني من عدم مواكبته التطور التكنولوجي، ومعاناته من ضعف الإمكانات والخبرات والمعدات، وكل هذا بشهادة الطلاب الوافدين أو اللاجئين الذين وجدوا اختلافًا جذريًا في الدراسة بين وطنهم والسودان.

 

أبرز المشاكل

وفي دراسة موضوعية أعدتها المفوضية السامية للأمم المتحدة ومعتمدية اللاجئين، تحت عنوان: “صعوبات التعليم التي تواجه اللاجئين في السودان”، قالت: إن عدم حصول اللاجئين على حقهم في الدراسة؛ سَيُنْتِج جيلًا كاملًا معرضًا للخطر؛ بسبب عدم حصوله على حقه في التعليم.

 

وأضافت الدراسة: “تواجه المدارس السودانية المحلية في المجتمعات المضيفة تحديات لاستيعاب أعداد كبيرة من أطفال المدارس اللاجئين، وتحتاج إلى الدعم، حيث إن 65% من الوافدين الجدد في السودان هم من الأطفال دون سن الـ18.”

 

وبحسب تقرير المفوضية ضمن الدراسة؛ فإن احتمال عدم ذهاب اللاجئين إلى المدرسة يفوق المعدل العام بخمسة أضعاف، ولا يحصل الأطفال اللاجئون على التعليم الابتدائي سوى بنسبة 50%، وذلك مقارنة بالمعدل العام الذي يتخطى الـ90%.

 

وتابعت الدراسة: “تتسع الفجوة مع تقدم هؤلاء الأطفال في السن، حيث لا يحصل سوى 22% من المراهقين اللاجئين على التعليم الثانوي مقارنة بالمعدل العام الذي يساوي 84%.”

 

وعلى مستوى التعليم العالي، يذهب أقل من 1% من اللاجئين للجامعات مقارنة بالمستوى العالمي البالغ 34%، ويعتبر التعليم حقًّا أساسيًا من حقوق الإنسان، وقد نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، واتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين وحمايتهم.

 

وأوضحت الدراسة أنه بالرغم من أن السودان قد صادق على اتفاقية اللاجئين 1951م، والتي حددت في مادتها 22 الحق للاجئين في تلقي التعليم الأساسي أسوة بالأطفال المواطنين، وإن قانون تنظيم اللجوء 2014 أفرد المادة 13 و 14 منه على حقوق اللاجئين، و حدد في البند (ب) منه على حق اللاجئ في التعليم الأساسي أسوة بالمواطنين، إلا أن قانون التعليم العام لم يرد في متنه على أي من تلك الحقوق، أو طريقة تنظيمها؛ بل عمد في مواده على اعتبار اللغة العربية هي اللغة المعتبرة، ولم يرد فيه ما يشير لإمكانية إنشاء مدارس خاصة باللاجئين، أو اعتبار لغاتهم وسيطًا للتعليم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك