أرسطو ومثلث البلاغة: محاور التأثير بين البيان والإقناع

15 نوفمبر , 2017

من نظريات التأثير العملية التي أفدتُ منها في توجيه الطلبة لمهارات العرض والتقديم، ما أورده أرسطو في كتابه “البلاغة – “Rhetoric عن نظرية “مثلث البلاغة”. وهو عبارة عن ثلاثة محاور أساسية لإيقاع التأثير في نفس المستمع. والمحاور يصوّرها الشكل التالي:

 

 

المنطق (logos)

ويتحقق بوضوح الفكرة، وسلاسة العرض وتراتب منطقه واتساق حججه.

 

المصداقية (ethos)

هنا تأتي أهمية المقدمة التعريفية بالمتحدث، وأهليّته العلمية للكلام عن موضوع العرض، وخبراته المتعلقة. ويلي ذلك أسلوب الكلام ونبرة المتحدث ولغة الجسد ليؤكد على أهلية المتحدث واستحقاقه للإنصات. قوة الأداء ورسوخ العلم بالمادة هما مفتاح المصداقية الحقيقية.

 

العواطف (pathos)

وتعني إثارة تعاطف المستمعين وتحفيز خيالهم، وربط العرض بما يهمهم ويرتبط بواقع حياتهم، بحيث يتفاعلون وجدانيًا مع العرض، ويستشعرون حرارة أداء المتحدث وصدقه. وأكثر ما يساعد على اندماج المستمعين في العرض القصص المروية بأسلوب شائق وتفاعلي، والوسائط المرئية من صور وفيديو وما إلى ذلك. والاستعانة بهذه الأدوات يساعد على تجسيد الفكر المجرد، وبالتالي جعله أكثر منطقية وقبولًا للأفهام.

 

ولا يفوت أن ننوّه في هذا المقام إلى أن غاية العرض الأصيلة عندنا هو البيان بالحجّة، والبلاغ على بصيرة، والتكلّم بعلم ومصداقية، لا ضمان الإقناع حقيقة.

 

وبالتالي يقاس جهدك بمدى إتقانك لتلك الثلاثة بأحسن ما استطعت، لا بما يترتب عليها من اقتناع أو عدمه. فمن جهة ليس من المطلوب – أو حتى من الممكن – الاجتماع على نفس الرؤية القطعية في كل أمر أو قضية. ومن جهة أخرى، ليس على العامل في أي حقل ضمان وقوع الأثر الذي يُرتجى أو يتوقع، وإنما غاية ما عليه أداء ما عليه بأحسن ما يستطيع حتى النهاية، ثم يَقسِم الله له من رزق النتائج والقبول والتوفيق ما يشاء ويقدر.

 

وبقدر ما يتسع صدرك لتقبل بقاء الناس على قناعاتهم بعد استيفاءك دورك في البيان، احذر الفخ الذي قد تساق إليه باسم الموضوعية أحيانًا، وانفتاح العقل أحيانًا أخرى، وهو زعزعة ما لديك من قناعات تَثبتّ منها.

فالموضوعية بمعنى “الحياد العلمي” لا وجود لها على الحقيقة، لأن العقل “المحايد” لا وجود له بداية، فالعقل ليس عضوًا وظيفيًا منفصمًا في الهواء، بل هو مركب في كيان متكامل من الفكر والشعور والخبرات، وبالتالي لابد أن يصطبغ به قطعًا، ويظل لذلك الاصطباغ أثر وبصمة مهما ظن صاحبه أنه تخلص منه أو أنه “محايد”.

 

لكن الموضوعية بمعنى “التجرد للحق متى ثبت بالبراهين الصائبة”، هو المفهوم الأصيل عندنا، ويعني تغيير التوجه العقلي من وجهة كان صاحبها يظنها الصواب إلى أخرى اتضح أنها الصواب أو الأصوب، فهذا التجرد لا ينفي كون المتعلم أو الباحث ذا توجه معين، لكنه مبدأ يحثه على الجمع بين عدم التصلب الأعمى وفي ذات الوقت عدم التذبذب والجري وراء كل ناعق قبل التثبت.

 

ولعل مقولة عباس العقاد توضح الفارق بين هذين بجلاء: “العناد والثبات على الرأي نقيضان: العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه، والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك