الطلبة السوريون: لولا الألم ما كان التميز والنجاح

26 يوليو , 2018

قيل “لولا الألم ما كان التميز والنجاح”؛ إنه ما اقرأه في عيون طلابنا في بلادنا التي أنهكتها الحرب وحطمت معالمها النزاعات؛ فلم يعد هناك مدارس ولا جامعات ولا معاهد ليتمكن الطلاب من متابعة دراستهم كسائر الطلاب في العالم.

 

كثيرًا ما تعرض طلاب سوريا للموت وهم على مقاعد دراستهم؛ وكم حلم أهاليهم بنجاحهم وتفوقهم وتكريمهم؛ وكلما خرج ولد منهم ودعته أمه ويشهد على ذلك باب الدار؛ فهي قد لا تراه مرة أخرى؛ هكذا هي الحرب لا ترحم؛ والقصف لا يميز بين صغير وكبير ولا بين طالب وشخص يحمل سلاحًا؛ حدث هذا الأمر مراتٍ كثيرة حين قصفت المدارس ومات أطفال حملوا بأياديهم الصغيرة باقات الزهور وحقائب المستقبل التي كفنها الموت وطواها الغياب.

 

لا أنسى أبدًا قصف مدرسة قريتي “حاس” التي كثيرًا ما قاومتُ لأكمل تعليمي فيها؛ يبدو أنه كتب علينا العناء والألم في مسيرتنا الدراسية؛ هذه المجازر التي ترتكب بحق أطفالنا وطلابنا مصاب جلل يندى له جبين الإنسانية وتتعثر في وصفه الكلمات؛ فهؤلاء الأطفال من حقهم أن يعيشوا حياة الاستقرار العلمي؛ وأن يحصلوا على فرصتهم في التعليم والأمن ومع ذلك لم ترحمهم طائرات الغدر.

 

وهنا أقف قليلًا في محراب الذكريات وأعجب لما أراه من تصميم وإصرار وتحد على مواصلة التعليم وعلى ملاقاة الموت بالحياة؛ واليأس بالأمل؛ في سبيل تحقيق أكبر النجاحات؛ أقسم أنهم عظماء؛ من معلمين وطلاب وأولياء أمور؛ فمع هذه الظروف القاسية نرى طلابنا يبحثون عن الأقبية أو حتى عن الخيمة لمواصلة تعليمهم وتحقيق هدفهم.

 

لم أنس يومًا مجموعة من الفتيات اللواتي لوعتهن الحرب وآلمهن النزوح والعيش في خيمة لا تحميهم من حر الشمس ولا من برد الشتاء؛ يحركهن الإصرار على التفوق والإنجاز والتميز رغم كل شيء؛ جاءتني هؤلاء الفتيات وطلبن مني أن اساعدهن في مادة اللغة العربية التي قد يرسب فيها الطالب إذا لم يتقنها ويلم بها.

 

وبالفعل قد خصصت لهن كل يوم وقتًا يتراوح ما بين الساعة والنصف إلى الساعتين حتى أكون سنداً لهن في تحقيق تفوقهن؛ يا لها من أيام عذبة رغم مرارتها لأنها تشعرني بحلاوة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤجر المرء رغم أنفه) وتجعلني أتمنى أن يكتبنا الله من المخلصين في عملهم.

 

هذه المجموعة من الطالبات أكملت معي أشهرًا طويلة في البرد والحر في المخيمات؛ وعانت كثيرًا من القلة والحرمان؛ وفي نهاية المطاف وضعت وسام النصر والنجاح والتفوق على صدري حينما علمت أن بناتي حققن نتائج باهرة أذهلت الأشخاص اللذين توفرت لهم كل المعطيات لتحقيق النجاح.

 

حقًا يا لروعة الزيتون حينما يعتصره الألم فيصبح زيتًا يشع نورًا ويشفي مريضًا ويغني جوعًا؛ تفوق وتميز أتاح لطالباتي أن يلتحقن بكلية الطب – دعاء وسارة وآلاء وهدى ومريم وتسنيم ومحمد وهلا- كم افتخر بكم؛ كم يعلو صوتي ويصبح أجمل عندما أترنم بأسمائكم.. الدكتورة دعاء والدكتورة سارة والصيدلاني أحمد ومحمود؛ والمهندس والطبيبة والمدرسة ما أجمل نجاحكم؛ ما أروع إصراركم؛ ويا جبل ما يهزك ريح؛ رياح الحرب تصفر وعبق النجاح والتميز والعطاء يملأ الأفق.

 

طلابنا في الأقبية درسوا؛ وفي الكهوف وتحت الشجر وفي الخيام؛ في كثير من الأحيان كان المدرسون أكبر من كل الآلام؛ إنهم لا يتقاضون أجرًا وبعضهم قد لا يملك قوت يومه ومع ذلك مصر على النهوض بالعملية التعليمية والتربوية؛ بعضهم باع شيئًا مما يملك ليؤّمن ثمن طعام لعائلته وهو مصر على ألا يترك الطلاب دون علم.

 

ومما أثار رغبتي في البوح بما يحمل قلبي من قصص أنني رأيت طلابًا بعضهم على الكرسي المتحرك؛ يقاومون رياح العجز العاتية ليثبتوا للعالم أنهم قادرين على فعل الكثير؛ لأن العجز عجز العقول؛ كنت أرى محاولات أحمد للمشاركة في الدرس وهو جالس على كرسيه الذي أجبرته شظية مجنونة عليه؛ كنت أمازحه وأشجعه وأقول لزملائه: “أراهن أن أحمد سيكون من الأوائل أخر العام”؛ وهذا بحمد الله ما حدث.

 

والأجمل من ذلك كله ريم تلك الفتاة المبدعة الرائعة التي لم تستسلم لليأس رغم أن الظروف ملأت قلبها أسى؛ ريم تكتب القصة والمقالة والرواية وهي لا تملك أبسط الأدوات؛ عرفتها فتاة يملأ الحزن قلبها وبعد عدة جلسات معها أورق الأمل في ثنايا روحها؛ وبدأت تشرب من سلسبيل هذه الحياة فأبدعت في قصصها الممتعة التي تستأنس برأي فيها.

 

نعم يا سادة انه الألم الذي ينبجس منه الأمل؛ وإنها الحياة لا تعرف التوقف؛ وهي ريما لا تعرف إلا الأمل والحب والشمس.

 

وهناك طلاب أجبرتهم الظروف القاسية على ترك فرصتهم التعليمية لأسباب قاهرة؛ هناك من فقد والده وكان هو المسؤول الوحيد المعيل للأسرة؛ ومع ذلك فقد أثمر جهده وأينعت مثابرته عن أن يكون مبدعًا بطلًا معطاءًا؛ منهم من كان يبيع اللودالين ( صابون سائل ) في الأسواق ( البازارات) نهارًا؛ ويدرس ليلًا حتى يكمل تعليمه وهو بار لأمه داع لوالده ومحبًا لجيرانه ومجتمعه.

 

هدفي هو أن أتعرف على طلابي أكثر لأكتشف أن بداخلهم ينابيع أمل وجداول خير؛ ولا بد أن التقيهم يومًا وقد وصلوا إلى أعلى المراتب؛ لأعتز أني كنت يومًا ما مدرّسة لهم.

 

فلتنته الحروب وليعم السلام؛ إن أبنائنا لهم الحق في تعليم آمن ومعلمونا لهم الحق برد الجميل لهم؛ فبوركت تلك الأنامل التي تخط؛ وتلك العقول التي تفكر؛ وتلك القلوب التي بحب الأوطان تخفق.

 

أنوب عنهم في هذا النداء:

حيدّوا التعليم عن العسكرة والسياسة والحروب؛ فلنا عقول لا نرغب بهدر طاقاتها ولنا قلوب ترتجف من غول الجهل المخيف؛ ولنا بصائر مدركة لحقيقة أن العلم حياة؛ والعطاء حياة والتفوق حياة؛ ونحن نحب أن تحلو أيامنا ويصبح بياضها ناصعًا يعكس على القلوب نورًا.

 

دمتم مبدعين معطاءين متفاءلين محبين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك