تعليم النحو بين روح الشيخ ودرجات المدرسة -الجزء الثالث-

10 ديسمبر , 2016

img_7279

 

في الجزء الثاني أشَرْنَا إلى ما يَنْبَغي أن تكون عليه دراسةُ العربية من الترتيب، حيث ينبغي أن يكون التَّلَقِّي للعمل العربي [القرآن والشعر] سابقًا على التلقِّي للعلم العربي [النحو والصرف والبلاغة] وهذا قد يثير في أذهان بعض الناس تساؤلا عن مدى تعارضِه مع بعضِ النصوص الشريفة التي يُوهم ظاهرُها خلافَ ذلك، فكيف نصنع؟

ولذا نقول: إن ما قررناه من سَبْق العلم بالنصوص العربية لا يتعارض مع ما جاء في البخاريِّ من “باب العلم قبل القول والعمل” كما أن قوله تعالى: “ولا الليل سابق النهار” لا يتعارض مع ما عليه العَرَبُ والفقهاءُ والخَلْقُ من أن الليلةَ تأتي قبل اليوم؛ ومعنى ذلك أن الجهةَ مُنْفَكَّةٌ، أيْ: أن الجِهَة التي نقول منها بضرورة تعليم النصوص العربية قبل العلوم العربية جهةُ تعليم لا جهة تكليف شَرْعِي.

ومعنى كونها تعليمًا لا تَكليفًا شَرعيًّا هو أن الإسلام بنصوصه الشريفة لم يخاطب المولود الذي أخرجه الله من بطن أمه لا يعلمُ شيئًا، فهو ليس مكلَّفًا أصْلًا، بل المكلف في الإسلام من شروطه البلوغ، والرِّهَانُ الحضاريُّ هنا على ما سيتعلمه قبل البلوغ مما سيجعله بعد البلوغ مسلمًا في عقيدته وعلمه [دراسته] وعمله [سلوكه]، وحين يقول ربنا: “فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك” فإن العلم هذا قد خوطب به بالغ، وإلا فالصغير غَيرُ مكلَّفٍ من الله، بل اللهُ يُكلِّف وَلِيَّهُ أن يُؤَدِّبَه ويربيَه.

ولا يلزم بالمناسبة أن تكون الواو التي في قوله “واستغفر لذنبك” للترتيب من جهة النحو، فالراجح عند النحاة أن الواو لا يلزم منها الترتيب؛ فإذا استفيد الترتيب من الآية فهو مستفاد من جهة أخرى غير النحو؛ لأنها تحتمل في النحو الجمع بترتيب وبغير ترتيب فيكون الاستغفار سابقا على العلم بـ “لا إله إلا الله”.

ومن هنا يكون المخاطب بالقرآن العظيم قادرًا على فهمه، كما خاطب سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أصحابَه الذين يفهمون العربية ويعيشون بها، فكيف نطلب من الطالب أن يدرس النحو [العلم] ولا رواية للطالب لنصوص يستطيع أن يحللها سوى أمثلة النحاة: حضر زيدٌ، وسَلَّمْتُ على عَمْرٍو؟!

وبهذا يرتفع المشكل في التعارض الظاهري المتوهم، فإن تَبْيِيتَ النية لصيام رمضان لا يكون إلا في الليلة السابقة على اليوم إجماعًا، فالليل سابق للنهار، هكذا عُرْفُ العَرَب، وتَعَلَّقَتْ به الأحكامُ الشرعية، أما الآية الكريمة: “ولا الليل سابقُ النهار” فلها سياق يوجِّهُ معناها، أي: لها جهة أخرى في النظر إلى الظاهرة، وعندما تختلف الجهة لا يحصل التعارض، والآية وَضَّحَهَا ما جاء بعدها من قوله تعالى: “كلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون” فالسباحة فيها تتابع فالحكم بسَبْقِ أحدهما الآخر حُكْم نسبي إذن [بتعبير العلماء: إضافي] وفقا للجهة التي ينظر منها الناظر، وليس مطلقا [بتعبير العلماء: حقيقي] وبهذا الوعي بالسياق الذي لكل نص يمكن فهمُ مُرادِ قائله، ولا تعارضَ مع غيره.

وعودًا إلى الموضوع فإن من الضروري رواية الطالب في المرحلة الابتدائية لديوانٍ كامل أو منتقيات أدبية بحجم 50 قصيدة تقريبًا، كلٌّ منها يتراوح بين 15-20 بيتًا؛ لأن هذا سيُعَرِّفُه من جهة أخرى بمعلومات تاريخية وجغرافية متنوعة مما يبني شخصية طفل متوازن عربي في معرفته الجغرافية والتاريخية؛ لأن اللغة ليست وعاءً للثقافة فحسْب -كما يتوهم بعض الناس- بل هي مِنظار يحدد صفات المرئيات، وهي نموذج معرفي يجعل للعربي نظرةً خاصةً إلى كلِّ المنظومة الثقافية والفكرية حتى علوم الطبيعة والكيمياء والفَلَك، وهذا لا يتَأَتَّى على الوجه الأمثل حين يتعلم في هذه العلوم كُتُبًا مترجمة عن المدارس الأمريكية والبريطانية وغيرها، بل بابه الشعر العربي والثقافة العربية الواسعة.

ومن فوائد البَدْءِ بالشعر لا القرآن قبلَ النحو أن الشعرَ نصٌّ يعيش في كلِّ حالات الإنسان الجِدِّ والهَزْل والوَقَار واللَّهْو، ويمكن لنا أن نُغَنِّيَه، ونَلْعَبَ بِهِ معًا، ونَعْقِدَ له مسابقات في أفضل مَن يُغيِّر الكلمةَ بكلمة أخرى من غير تغيير للمعنى، وأحسن مَن يَعرفُ بيتًا في وصف حِصَان وآخر في وصفِ جَمَل وآخر في وَصْفِ ذِئب وآخر في وصف حَمَامة … إلخ فالشعر باب إلى عالم الحيوان الذي يتعرف إليه الطالب أيضا في المرحلة الابتدائية، أما القرآن العظيم فليس محلا للهَزْل، ولا يليق به أن نتغنى به مع قَفَزَاتٍ وحَرَكَاتٍ تتنافى مع الهدوء والوقار والإجلال، بل على المعلم أن يُلْزِمَ الطالبَ إذا قَرَأَه بآداب القرآن الكريم، وهذا يجعل من الشعر متسعًا للمعايشة اللغوية المنشودة.

ولا يمنع هذا التصور من تعليم الطالب سورةَ الفاتحة وبعضَ قِصَار السور التي تصح بها صلاته، حتى إذا تَمَهَّرَ بالقَدْر الذي حددناه من رواية الشعر حَفِظَ القرآنَ في ثلاثة أعوام على الأكثر، كل ذلك قبل البلوغ، وسيساعده على ذلك أن لسانه استقام على مخارج الأصوات، فلن يَتعب معه مُقْرِئه في ضبط مخارجها، لأن الشعر العربي يُقرأ بالأصوات الصحيحة أيضا، فإذا وقع خطأ الطالب المتعلم في الشعر فإن هذا أَهْوَنُ من أن يُسِيءَ في نطق آيات الكتاب العزيز.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك