حقيقة أثر المنظومة الدراسية على المدى البعيد [الجزء الأول]

28 ديسمبر , 2016

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن التعليم المرن واللامدرسي، ومقارنة عوائد هذين بعوائد المنظومة الدراسية القائمة. هذه المقالة لا تدّعي الموضوعية ولا التعميم، وإنما هي مشاركة تجربة شخصية ونضال طويل مع تلك المنظومة، في مختلف الصور كطالبة وأستاذة وموجهة طلابية؛ لمن شاء أن يستفيد

من الناحية التربوية

بادئ ذي بدء، التعليم غير التربية، وإطلاق وزارة الشؤون الدراسية على نفسها وزارة التعليم والتربية لا يعني على الإطلاق تحقيق هذين المفهومين في مناهجها. فمفهوم التربية الحقة: هو إحداث تغيير أو أثر دائم مستمر، من خلال التوجيه بالتدريج والمتابعة عن قرب، بأسلوب يجمع الحزم في غير شدة والرفق في غير تساهل.

فإذا اعتبرنا مكونات العملية التربوية الناجحة لتحدث تغييرًا دائمًا مستمرًا: القرب والمتابعة والتدرج، فكل هذا لا يتوافر في ظل تضخم الفصول وتكدس القاعات  في إطار بعيد كل البعد عن المخالطة القريبة فضلًا عن الودودة. زد على ذلك أن ضيق الخناق زمنيًا بالكاد يكفي “المقرر” الدراسي، وتوزيع الجداول والمناهج لا يتيح الاجتماع بالطلاب اجتماعًا إنسانيًا، بل الهم منحصر في إنهاء الكلمتين المقررتين من المنهج، ومن ثَم يظل المدرس أو المحاضر مهما كان قدوة بفعله ومعلمًا بأسلوبه، نموذجًا يلوح للطلبة من بعيد فيعجبون به، وأقصى ما يحملون منه لاحقًا هو “ذكرى طيبة”، يذكرونها – إذا فعلوا – بين الفينة والفينة في خِضَم الحياة العملية.

ومن نافلة القول أن المنظومة التعليمية القائمة لا توفر من قريب أو بعيد بيئة تربوية على الإطلاق، ولا غالب المدرسين مربون من حيث المنهج أو الأسلوب أو حتى القدوة، فمن خالف هذه القاعدة هو استثناء لا يقاس عليه. مثلًا، يُدرّسون في حصص الدين عن الكذب والغش، في حين أخلاق المدرسين في الغالب لا تخلو من أحد هذين، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم! ولعل ذلك يتبدى جليًا في الحرص على سوء الأداء وتحري التعنت في معاونة الطالب خارج وقت الحصة، لإجباره على الدروس الخصوصية. بل إن توجيهات المدرسين اليومية على مدى سنوات عمر التلاميذ والطلاب لا تخلو من تعبيد شخصيتهم، وطمس كرامتهم وقمع تقديرهم لذواتهم: “افعل كما نقول”، “لا تجادل”، “لا تناقش”، “هو هكذا”، “حتى وإن لم يعجبك فستفعله”، “اجلس كالكرسي الذي تحتك”!

والمأساة أن هذه المعوقات التربوية لا يستحيل التغلب عليها، لكن الهدف الأصلي الذي بنيت عليه المنظومة هو التلقين لأصنام معلوماتية لا تتبدل ولا تتحول ولا يسمح بنقاشها، وأقصى الجهود التربوية في تلك المنظومة هي أن ندندن حول تلك الأصنام ببعض الترتيلات الأخلاقية، التي صارت مفاهيم هلامية لا مكان لتطبيقها في واقع قائم على افتراس الأضعف واستغلال الأطيب والنفعية والأنانية… هذه هي خلاصة قصة الحياة الدراسية مهما طالت.

من الناحية العلمية

وأما مفهوم التعليم فحدّث ولا حرج. بداية لابد من التفرقة بين العلم والدراسة، فما يجري في هذه المنظومة ليس تعليمًا بقدر ما هو “تدريس” أي تكريس لما خطته الكتب الدراسية، وتلقين أصم للطلبة ليوم الامتحان المقدس. فالتعليم في مفهوم المنظومة الدراسية الحالية في الأغلب الأعم قائم على بناء كمٍّ معلوماتي لا علمي، وهو حَشد متراكم لكنه غثاء كغثاء السيل. فالطالب يدرس ليستظهر ويسمّع، فيتفوق وينتقل من قالب معد سلفًا إلى الذي يليه، ومع كل نقلة تتساقط التراكمات المعلوماتية كأوراق الخريف حيث لا عودة ولا مآب.

ويكفي أن يُعلَن عن انعقاد اختبار للمستوى العلمي للمعلمين في أي مرحلة دراسية كانوا، ليظهر جليًا أن المعلم نفسه لا يحيط من مادته إلا بالكلمتين في المقرر، وأن القدوة العلمية للطالب هي أول من تعاني من ركود حاد وعسر شديد، فإن لم ينقلوا هذه الفلسفة للطلبة بالكلام نقلوها بالأفعال: “احفظ الكلمتين أمامك”، “تعبير الكتاب”، “نص الكتاب”، “موضوعات التعبير بالشبر” ، “التذوق الفني بالحفظ”، وهلم جرًا!

والطريف أن الكثيرين ينمقون هذه المهزلة الفكرية بترديد أحاديث فضل طلب العلم، دون التوقف لمراجعة مفهوم العلم الحق الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضا به، فقد استعاذ المصطفى r من “علم لا ينفع”، فإذن ليس كل “علم” نافع، لأن النفع ليس لصيقًا بالعلم من حيث هو علم أي تصنيف قائم في المعارف، وإنما العبرة بالآثار المترتبة على العلم على المستوى الشخصي والجمعي. وإن من أشد مساوئ المناهج أنها لا تفرق بين مراتب العلم من حيث اللازمة والعامة والاختيارية والتخصصية. فماذا يفيد التلميذ من العكوف على المثلث الهندسي والمستطيل الفراغي ونظرية فيثاغورس وخلافها مما لا ينفع في دين ولا دنيا؟ وكيف تدَرَّس حصص العلوم والأحياء كما يدرس التاريخ والأدب، نظريًا بغير تجربة؟ وما نفع المِجهر إذا كنا ممنوعين من الاقتراب منه؟ وما فائدة المعمل سوى التذنيب وقوفًا على مدى ساعتين لحفظ معادلات كيميائية أتحدى أحدًا غير المشتغلين بهذا العلم أن يذكروها!

شتّان بين الثقافة المسؤولة التي تنشأ عن حاجة حقيقة إليها، فتحدِث أثرًا أو تكون سببًا في أثر ينفع الناس، والمعرفة الباردة أو الترف الفكري أو التُّخَمَة الثقافية – سِيّان – التي منشؤها في الغالب “الأهمية المتوهمة”. لابد أن نحفظ هذا لأن المقرر الدراسي يملي علينا ذلك، لأن قوالب المجتمع لن تقبلنا بغير الشهادات المختومة، التي تفيد بأننا “اجتزنا” المرور على تلك التراكمات، بغض النظر عن فائدتها أو أثرها! هذا النوع من المعرفة الباردة، التي لا تتعدى ثلاجات الأذهان، ولا تثمر حركة دافعة ولا قوة دافقة تطور الحياة وتنميها، هي هدف تافه رخيص لا يستحق إشغال النفس ساعات فيه، فكيف بإفناء أعمار في ركابه؟!! وما القيمة التي عادت علينا في حل مشاكلنا من اكتظاظ رفوف المكتبات بالدراسات والرسائل، واكتظاظ الأدمغة بمضموناتها وتوليفاتها؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك