فيروس التسويف (2): مفاتيح التعافي

15 مارس , 2018

الحل الأمثل: ابدأ حالًا!

بعد طول تجرِبة لوسائل التغلب على التسويف، لم أجد – فيما طبَّقت – أنفع من البدء في الحال. لأن أي وسيلة أخرى فيها “تروي” أو “تمهل” أو “خطوة بخطوة”، هي أكبر معين على المضي في التسويف، وإن صار الآن متخفيًا وراء قناع.

فالتروي والتمهل والتأني، كل أولئك أشقاء التسويف وشقيقاته. بعد أن تقهر عادة التوسيف بإذن الله تعالى، خذ حينها بأي منها وأنت مطمئن البال. أما قبل ذلك، فلا أنصح بذلك.

 

لكن موضوع البدء في الحال يبدو مهولًا! فإنه لشاق على النفس التي أَلِفت الراحة والتكاسل، والتروي المتروي، والتمهل البطيء، أن تتحول من حزب الكنبة إلى تيار الإصلاح مرة واحدة! ربما سيسرك أنني أوافقك الرأي، لأن هذا فعلًا هو أول قرار صعب واجهته، وأطول عقبة استمرت كلما بدأتُ خطة جديدة. لذلك من قال إن البدء في الحال يعني البدء بتسلق الجبال؟ البدء في الحال معناه أن تنجز”أُعَيْملًا” فور قراءتك هذا الكلام. و”أُعيمل” هي تصغير عمل، فالمقصود هنا  فورية الإنجاز، وليس حجم المهمة.

 

وإليك هذه الأفكار “الصغيرة” لبداية فورية:

1- العمل هو الذي يأتي بالرغبة في العمل:

عليك لتقطع الطريق أمام التسويف، أن تذيب الجليد بينك وبين المهمة التي أنت مقدِم عليها، وتكسر حاجز الرهبة في البدء.

لنأخذ مثالًا جدول المذاكرة قبيل الامتحانات. كثير من الطلبة يهيئ أجواء المذاكرة، ويرتب الكتب، ويضع جدولًا رائعًا، ثم يختتم جهوده المشكورة، بأن يكافئ نفسه بتأجيل الدراسة إلى الغد، ليستمتع بآخر يوم من أيام السعادة والحرية!

 

لتقاوم هذا الشعور المغري بالتسويف، اختر أحب أو أسهل المواد إليك – حتى وإن لم تكن الأولى في الجدول – وابدأ بإعداد ملخص لها. أو اختر أخرى من المواد المؤجلة طوال العام، وابدأ بقراءة أولية لها – قراءة الفَهم. وكلا هذين، إعداد الملخص أو القراءة فحسب، هو أقل “مرارة” من الشروع في الحفظ والتسميع، الجزءان اللذان يسببان الرهبة ويغريان بالتسويف.

 

وقس على ذلك أي عمل له أجزاء “صغرى” وأخرى “كبرى”: ابدأ بإعداد خطة عمل، واجعل بدايتها تلك المهام الصغيرة، التي ستمنحك حلاوة الإنجاز، وتشجعك على المواصلة. ومع التعود على الإنجاز وقهر التسويف، صدقني إذ أبشرك بأنه سيستوي لديك البدء بأي منهما!

 

2- كلما ضبطت نفسك قائلًا إنك ستفعل هذا أو ذاك “قريبًا” أو”يومًا ما”، تيقن أنك تعاني من فيروس التسويف، وأنك بكلامك هذا لا تساعد نفسك على الشفاء!

 

والدواء هو تغيير تلك الكلمات الفضفاضة إلى أوقات محددة. فبدلًا من: “سأرتب مكتبي يومًا ما”، استعمل: “سأرتب مكتبي ظهر يوم السبت القادم إن شاء الله”. وبدلًا من “سأنهي التقرير قريبا إن شاء الله”، قل “سأنهي التقرير في صباح الثاني من فبراير إن شاء الله”.

قد يبدو هذا تعنتًا أو تضييقًا على الذات، لكنني وجدته بالتطبيق العملي حلًا رائعًا، رغم مرارته في البداية . من قال إن العادة أفعال فحسب؟ كلامك أيضا من عاداتك. فإذا كان من عادة عباراتك أن تكون مطاطة، فأفعالك ستكتسي بنفس العادة. وكلما عودت نفسك أن تردد العبارات المحددة زمنيًا، ولو في سِرك دون أن تجهر بها، فإنك من حيث لا تدري، تساعد نفسك على مقاومة إغراء التسويف، وترفع من إحساسك بمسؤولية الوقت المنقضي.

 

3- وإذا كنا نتحدث عن المسؤولية، فدع عنك كذلك العبارات “الموضوعية” وكن ذاتيًا مع نفسك!

كيف ذلك؟ تأمل مثلًا: “يا له من يوم يبعث على الكسل”، بدلًا من “إنني أشعر بالخمول اليوم”. الأولى هي الموضوعية ظاهريًا، والتي نلجأ إليها لا شعوريًا، لتبرئة أنفسنا من تبعة إهمال المسؤولية، فهو ذنب اليوم أنني لم أنجز فيه شيئًا، وليس ذنبي أنا!

وكذلك “إنها مادة صعبة”، بدلًا من “إنني أجدها صعبة علي”. ما أهمية الذاتية في الحديث هنا؟ فضلًا عن أنك تأخذ زمام الأمور بيدك، بدل أن تلقيها على عاتق شيء هُلامي، فإنك توفر على نفسك التطلع للتسويف أو عدم الإنجاز، لأنك تقر بالحقيقة بدل أن تهرب منها .

 

صدق أو لا تصدق: التسويف عادة هروبية! فأنت تود الهروب من صعوبة المادة، وتود الهروب من الشعور بالذنب لأنك غير متحمس لفعل أي شيء. بدلًا من هذا وذاك، فلنقر معًا بكليهما. ومن ثم سيتوجه تفكيرك تلقائيًا للبحث عن حل، بدل الهروب من المشكلة.

والحل اللطيف المتماشي مع الموقف هو أن  تجعل لديك قائمة للاستمتاع بالكسل – مثلًا-، تسرد فيها كل المهام الصغيرة والمؤجلة، والهوايات الممتعة التي كنت تحرم نفسك منها لفترة، واجمعها لمثل تلك الأيام. وها أنت بدل من أن تمضي يومك شاعرًا بالملل لأنك “تتهرب” من “العمل”، وشاعًرا بالذنب في ذات الوقت لأنك لا تنجز أي عمل، أقررت بحاجتك ليوم خاص تجدد فيه نشاطك، ونهضت تعمل أعمالًا من نوع آخر! وكذلك المادة الصعبة، ابدأ بتقسيمها إلى مراحل صغيرة، ثم اختر أصغر واحدة، وابدأ فورًا!

أكرر: المهم هو فورية الإنجاز.

 

4- لا تدع ما لا تستطيع يحجب عن ناظريك ما في استطاعتك

ويظل الحل أن تواجه العادة الهروبية بالإقرار بما تهرب منه، لتضيع على التسويف فرصة الإغراء. فلتقل: “لا أستطيع الآن”، لكن زِد عليها: “لكنني أستطيع ..”. هكذا، تقر بما تعجز عنه، لكن بدل أن البكاء على الأطلال والرِّثاء للذات والجمود في التفكير، تفتح أمامك أبواب فرص وبدائل أخرى. فإذا كنت في وظيفة لا تحبها، لكنك لا تستطيع تركها في الحال، ألحق جملة: “لا أستطيع ترك وظيفتي الآن”، بــ : “لكنني أستطيع البحث على الإنترنت عن شركات في مجالي”، أو “لكنني أستطيع التقدم بسيرتي المهنية لجهات أخرى ريثما أنتظر الرد”، أو “لكنني أستطيع أخذ دروس مسائية لتنمية مهارة التواصل الاجتماعي، تمهيدًا للتقديم في ذلك المجال”. إنها نفس استراتيجية أوقات الانتظار المذكورة أعلاه. أقر بما لا تستطيع، وأشرع فيما تستطيع، وسيأتيك بإذن الله الخير العميم.

 

5- من أسباب التنفير الذاتي للجدية في تنظيم الوقت، والاستسلام بسهولة لإغراء التسويف، كثرة ترداد كلمات: “يجب” و”يتوجب” و”ينبغي”.

بدلًا من ذلك، فكر بصورة إيجابية باستخدام هذه اللغة: “أريد”، و”أود”، و”أرغب”. فهي لا تشعرك بأنك المتحكم في زمام حياتك فقط، بل وتدفعك للتفكير جديًا في تلك الأعمال التي تملأ جدولك: هل كلها حقًا تود القيام بها؟ وهل ما لا ترغب أنت في فعله، يستحق عناء الصبر على مرارته حتى إتمامه؟ وهل يتوجب عليك حقًا احتمال كل تلك الالتزامات، أم أنك تثقل كاهليك بمَهام ليست من تخصصك، ولا تنفعك، بل وربما يمكن تفويضها لأهلها؟ ولِمساعدتك في تقييم جدولك لئلا يكون مصدر تعاسة لك، تأمل هذه الأسئلة وطبقها عليه:

  • ما هي الأنشطة المهمة بالنسبة لي أنا؟
  • ما الأنشطة التي تَهُم الآخرين وليس أنا؟
  • ما الأنشطة التي يمكن شطبها نهائيًا دون أن يكون لها أثر سلبي؟
  • ما الأنشطة التي يمكن تفويضها؟
  • ما الأنشطة التي أقضي وقتًا كثيرًا في فعلها، وهل تستحق الوقت المنفق عليها؟
  • ما الأنشطة التي لا أقوم بها رَغم كونها مهمة أو ممتعة لي؟
  • ما الأنشطة التي تسبب لي قلقًا وتوترًا؟ هل هي بتلك الأهمية؟ (إمـــا أن تكتشف أنــــهـــــا ليست حقيقة بتلك الأهمية، فتتخلص منها؛ أو تعيد تقييم أهميتها فتقدم عليها بنفسية أفضل، لأنـــك أنت الآن من يحدد الأهمية) .

 

تلك كانت 5 مفاتح أساسية في مقاومة فيروس التسويف، ثابر عليها حتى يأذن الله لك بالتعافي منه!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك