التفكير الفعال من خلال الرياضيات – اختبار الورقة البيضاء (2)

1 يناير , 2018

“سلسلة تدوينات قصيرة حول تجرِبتي في إنهاء دراسة مساقٍ تعليميٍّ إلكترونيٍّ عن التفكير الفعَّال من خلال الرياضيات على مدار ٩ أسابيع تمثل عددَ الدروس المطروحة في المساق”

 

(الأسبوع الثاني)

 

فَهْم الأمور البسيطة بِعُمْقٍ

كانت البداية مع محاولةِ فَهْمِ طريقة الضَّرْبِ المعتادة، لكن من خلال الرسم، واختيار نموذجين لعددين وإيجاد العلاقة بينهما، مثل (5 ضرب 5) و(4 ضرب 6)

والناتج في الحالتين سيصبح كالتالي على الترتيب (25) و(24).

 

من خلال ملاحظة الرسم الهندسي سنكتشف أن هناك فارقَ مُرَبَّعٍ واحد بين ناتج الضرب في كلِّ حال، ثم استمر الأمر كذلك مع نماذج أعداد مختلفة، ليصبح الفارق مربعَيْنِ ثم ثلاثة، كما هو موضح في الصورة.

 

بعد ذلك طُلب منا محاولة إيجاد علاقة جبرية بين النواتج الظاهرة، وبهذا الشكل استخدمنا أسلوبين جديدين لملاحظة العلاقات بين الأعداد في جدول الضرب الذي نحفظه منذ صغرنا دون محاولة اكتشافه أو فهمه بطريقة أكثر عمقًا.

 

بعد عدة محاولات قصيرة وبسيطة للغاية، لن أسترسل في الشرح عنها تشجيعًا للقارئ على دراسة المساق بنفسه واكتشاف هذه الطرق الممتعة والذكية، بعد هذه المحاولات استَطعنا استنباط قانونِ الفرقِ بينَ مربعين، وهو قانون شهير في عالم الرياضيات.

 

وإحقاقًا للحق كان الأمر مذهلًا في أسلوب البروفيسور ستاربيرد، وكيف له أن يسير بخطوات بسيطة للغاية وقصيرة تدفَعُك للبحث واستنتاج واكتشاف العلاقات بنفسك عندما تُعمل عقلك قليلًا فحسْب، وتتأمل فيما تراه، دون أن تمرَّ عليه مرورَ الكرام.

 

الأعداد الأولية

كان القِسْم الثاني من الدراسة عن الأعداد الأولية، وما هي طبيعتها؟ وعناصرها؟ والسمات الأساسية لها؟ لم يكن من الصعب الاطلاع على كافة المعلومات المتعلقة بهذا الجزء على الإطلاق، لكني لم أفهم ما علاقة الأعداد الأولية بما سبق طرحه في القسم الأول من الأسبوع الثاني من المساق حتى طُرِحَ السؤالُ الأخير، والذي يمثل التحدي الأصعب للطلاب في هذا الأسبوع، وهو “كيف تُثبِتُ أن الأعداد الأولية لا متناهية؟”

 

نعم من السهل الإجابة على هذا السؤال لأي شخص على علم بسيط بالرياضيات؛ ليخبرنا أنه لا يوجد عدد نهائي من الأعداد عمومًا، وبما أن الأعداد الأولية جزء من هذه المجموعة من الأعداد، إذن لا يوجد عدد نهائي منها كذلك الأمر.

“تذكروا الفقرة السابقة جيدًا في نهاية التدوينة!”

 

ماذا إن لم يكن الحل بهذه السهولة؟ وماذا إن لم يكن هذا هو الإثبات الكافي؟

الرياضيات علم المنطق والبراهين، لا يمكنك أن تخبرني بأن الأمر هكذا فقط! أمسِكْ ورقةً وقلمًا وحاول إثبات ما تقول وأنه كان مجرد (1 ضرب 1 يساوي 1).

 

فهناك دائمًا سبب للنتائج، هو العلاقة الأساسية بين الأعداد التي تمثل نماذج في الكون نحاول اكتشافها طَوَال الوقت، وهذا هو جوهر المساق وأساسه، أن تساعدك الرياضيات على إعمال عقلك والفهم بشكل أفضل، وربما هذا هو جوهر علم الرياضيات نفسه، اكتشاف العالم بطريقة رمزية منطقية!

 

حسنًا.. بالعودة لما بدأناه، هل يمكننا إثبات لا نهائية الأعداد الأولية؟ نعم! ونجح أغلب الطلاب في إثبات الأمر بالشكل الذي توقعه البروفيسور، وفهمتُ بعد ذلك أنه كان نتيجة لما بناه من منطق وأسلوب في التفكير والعمل من خلال القسم الأول بطريقة ذكية للغاية.

أُقْسِم أن هذا الرجل رائع، ويزيد من حُبي وإعجابي بعلماء الرياضيات في كل درس!

 

ختامًا طلب منا البروفيسور عمل ما يسمى بـ اختبار الورقة البيضاء، أي محاولة الإثبات مرة أخرى بعد مرور يوم على ما درسناه؛ لأن الإنسان دائمًا ما يتحمس ويسعد لما يتعلمه في المرة الواحدة، وبعد فترة قصيرة لا يمارس ما تعلمه؛ فينساه، وهنا تكمن المشكلة.

 

إنِ استطعنا الوصول للحل بأكثرَ مِن طريقة وفهمنا الأسلوب المتبع، فلا داعي للحفظ أو الخوف من فقدان المعلومة؛ لأننا نحن من توصلنا إليها، وربما هذا هو سر أغلب الأذكياء والناجحين، الحفاظ على الأساس والعودة له والتمرين المتواصل عليه.

 

قِسِ على ذلك كافة الأمور في الحياة، وربما النموذج الأمثل والأوضح في هذه الفترة هو ممارسة الرياضة، فأساس اللاعب الناجح هو المواظبة على التمرين والالتزام بأساسيات اللعبة وفهمها جيدًا وبناء الأفكار الجديدة بعد استيعاب الأصل، فتطور من أدائك.

 

ستجد أن كل فكرة تقودك للفكرة التالية، وستجد نفسك تقوم بدراسة أبعاد الأمر، وتمنح عقلك المزيد والمزيد من التفكير، وستبدو وقتها كالعباقرة الذين نشيد بنجاحهم، ونتعجب من السر وراءه!

 

حتى لحظة كتابة هذه السطور لم أقم بعمل اختبار الورقة البيضاء، لأمنح عقلي الوقت الكافي للنسيان أو التخلي عن الأفكار التي درستُها في المساق وأحاول استنباط طريقة أخرى لإيجاد الحل والوصول له.

 

ولكن بمراجعةٍ بسيطة لما كتبتُه سابقًا، وجدتُ أنني اكتشفتُ طريقةً أخرى لإثبات أن الأعداد الأولية لا متناهية، عندما جلست لأدون ما تعلمته بهدوء في محاولة لتنظيم أفكاري وفهم العلاقة بين ما درستُه في هذا الأسبوع.

 

في الواقع اختبار الورقة البيضاء لا أعتبره فقط يسري على إثبات لا نهائية الأعداد الأولية، ولكن كذلك على أي علاقة نرغب في اكتشافها، أو حتى تلخيص محتوى دراسة كل أسبوع.

 

هذا الشعور الرائع بأنك ترى الصورة الكاملة بعد ما تجمع قطع الأحجية طوال فترة الدراسة لا يمكن وصفه!

 

والآن ماذا تبقى؟ الدروس المستفادة من هذا الأسبوع

– العودة للأساس، دائمًا وأبدًا العودة للأساس لفهم الأمور البسيطة بشكل أعمق لكشف الألغاز المحيرة.

 

– فهم الأمور البسيطة بشكل أعمق، يمنحنا رؤيةً أوضح ويكشف لنا دائمًا عن معلومات غائبة عن أعيننا لمحاولة التحاذق والبحث عن الصعوبات، ربما الصعوبة تكمن بحق في أننا لا نرى السهل والبسيط الواضح أمام أعيننا.

 

– قم بالإجابة على الأسئلة السهلة بشكل منطقي وواضح وصريح، لا تغتر! فكر جيدًا، وامنح عقلك الوقت الكافي للإجابة، وقتها تستطيع الإجابة على الأسئلة الأكثر صعوبة.

 

– إن صَعُب عليك إثباتُ صحة الأمر، قم بمحاولة إثبات خطئه، اعكس الأمور، ستجدها هذه المرة تسير في صالحك  😉

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك