قم يا صغيري

27 أبريل , 2018

ضحكاتٌ عالية يترددُ صداها في الأنحاء صافيةً صادقةً بريئةً تشف عن سعادة قلوب حقيقية لم تتلوث بالحياة بعد. وحركات عفوية لا تعرف المحظور، ولا يعنيها التصنع، ولا يوجهها النفاق ولا حب الظهور أو الأثرة، وعلاقات تتسم بالوضوح رغم سطحيتها، جدها هزل، وهزلها كوميديا مسرحية تهزأ من الحياة التي لا تساوي جناح بعوضة.

هكذا حال الطفولة في كل زمان ومكان

 

يرن جرس المنبه صباحًا فيوقظني، أو لعلي أستيقظ على صوت أمي الدافئ حين تسحبني نغمته الرقيقة من عالم أحلامي الطفولي إلي الواقع الأقل جمالًا مما أعايشه في أحلامي.كنت أتراخي في سريري، حيث يحملني دفئه على التشبث به لئلا أفارق عالمي الوردي الجميل. لكن إيقاع نغمة أمي، التي تتكرر دون توقف، تزداد حدته ويتواطأ معه جرس المنبه؛ فأُحمل حملًا على النهوض حين تُقيم أمي على الحجة في الوقت الذي تلاطفني فيه قائلة: “قم يا صغيري إنها السادسة….إنهض حتي لا تتأخر”.

 

لم أكن أعي المعاني التي تقف خلف كلمات أمي غير أن ظاهرها كان يعني الاستيقاظ والنهوض للذهاب لمحبسي اليومي الذي يدوم لثمان ساعات أراها عبثيةً من طابور صباحي وإذاعة مدرسية ومعلمين يجيدون الصوت العالي والضرب أكثر مما يجيدون التدريس، ودروس لا علاقة لها برغباتي الطفولية. كان واجبًا مفروضًا ولم أجد بُدًّا من الطاعة؛ فحبي لأمي ورغبتها في أن أكون ذا قيمة في مجتمعي دفعني للاستيقاظ كل يوم لأذهب إلى هناك…

 

اليوم وقد صرت ذا قيمة في مجتمعي إثر تخرجي في الجامعة، وتقلدت منصبًا رفيعًا في مؤسسة عالمية، رحت أتفكر في كلمات أمي التي جعلتني ما أنا عليه الآن. الآن أدرك أن الحياة، التي تمثلت في أمي صغيرا، تحملنا على النهوض من سُباتنا، حيث الأحلام الوردية، لنعزف كل يوم لحنها الشجي المتنوعة نغماته التوافقية حزنًا وسعادةً، ففي ذات الوقت الذي دفعتني أمي من رحمها حُبًّا تلقفتني الحياة إلي رحمها صقلًا وتعليمًا وتمحيصًا.

 

ماذا يعني أن أستيقظ في السادسة؟ هذا ما لم أكن أُدركه طفلًا. ولكن ما أدركته الآن ناضجًا أن الأمم المتقدمة تستيقظ في البكور بُعيد الفجر بقليل تصارع الحياة لتذللها ولتصبغها بصبغة أفكارها، يحركها الشغف لإعجاز الحياة أمام إرادتها صارخة في وجهها أن أبنائي البشر هم الجنس الأسمي.

 

أدركت أن بوصلة الحضارة جانبتنا فقط مشيرة إلي الغرب حين هجرت أمة الشرق صلاة الفجر، وما صلاة الفجر سوى الاستيقاظ قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود إشباعًا للروح، ثم يبدأ السعي في الحياة إنجازًا وتعبيدًا. علمتني أمي حين كانت توقظني مبكرًا للمدرسة أن تأخر الفرد عن الاستيقاظ يعني تأخر الأمة عن ركب الحضارة، فالذي يملك الوقت يملك كل شيء.

 

في الطابور الصباحي بعض الانضباط وبعض الحركات الرياضية والإذاعة المدرسية، مسلسل سمج يتكرر كل يوم دون روح… عدت بذاكرتي إلي الوراء لأجد معلمًا من كل عشرة يؤمن بفاعليته.. لكني أؤكد وقد عانيت بعد العشرين من عمري أن أحافظ على نمط حياة يجمع بين الثلاثية الرائعة التي يضمنها الطابور الصباحي “الانضباط، الرياضة، الثقافة التي تبثها الإذاعة المدرسية”.

 

بعد أن طالعت سير الناجحين الذاتية وجدت ثلاثية الطابور الصباحي ضمن أهم صفاتهم التي ساعدتهم على النجاح ولهذا أناشد القائمين على العمل التعليمي بأن يُعيدوا للطابور الصباحي فاعليته، لكن بشغف، فبغيره سيظل عملًا سمجًا يؤرق الطلاب.

 

من بين مئات المعلمين على مدار سنوات الدراسة سيبقي بضعةٌ منهم جزء أصيل من تكويني النفسي والعلمي كالنور أهتدي بحكمتهم في ظلمات المجهول في حياتي. ولست أنكر فضل الباقين فلقد كانوا ثراءً فكريًّا وأمثلة عملية لما يعنيه مفهوم “أن يلي الأمر غير أهله”، فببضعة معلمين تصبرت على أجهل أساليب التدريس من مدرسين لا يفقهون قدسية العمل الذي يقومون به من بناء الإنسان، وهل ثمة حضارة دون إنسان!

 

حين كنت طفلًا أرهب معلمًا ممسكًا بعصاة تفوقني طولًا وتبرحني ألَمًا لا يزيله عني سوى حب أمي ورغبتها في صلاحي، كنت أتساءل أليس ممكنًا أن يكون كل المعلمين جيدين؟ رغبة طفولية كبقية رغباتي المثالية ساعتها أليس كذلك؟

 

اليوم وقد تعلمت الحياة من طريقها الصعب علمت أن لا تقدُّمَ إلا بالعلم، وللعلم ثمن دفعتُه ضربًا وأنا صغير، وأدفعه كل يوم أموالًا ووقتًا ومجهودًا وإخفاقات. لا بد للصغير أن يعي أن لكل شيء في الحياة ضريبته وأن المثالية إنما هي في الجنة أو عالم الأحلام وأن الحياة تأخذ أكثر مما تُعطي. الآن أحببت مدرستي أكثر، وعلمت أنها قدمت لي نموذجًا أستند إليه، فكريًا على الأقل، في تجاربي الحياتية.

 

بقي شيء مؤرق أخير، الواجب المدرسي.. أما يكفي حبس طفولتي لثمان ساعات حتى أقضي نصفها بعد عودتي إلي البيت أكرر الدرس كآلة كاتبة إلي أن يُعييني التكرار لأنام فوق كتبي، ولا أشعر بنفسي إلا وأمي تحملني لتضعني على سريري تعلل طفولتي أن تعب اليوم ضمان لراحة الغد… ألا رحمكم الله قتلتم طفولتنا…

 

غدوت أسأل نفسي كيف كنا نتحمل ذلك كله وطفولتنا يقتلها الكبار بما يسمونه نظامًا تعليميًا. لم أجد إجابة سوى أننا كنا نجابه الحياة بقلوب طفولية تُخرج لسانها للحياة رغم منغصاتها، ونقتنص اللحظات للهو والمرح لا نذكر الماضي ولا يُقلقنا المستقبل. اليوم أدرك أن الواجبات لم تنته بانتهاء الدراسة وإنما زادت، لكن ما تغير أننا لم نعد نواجه الحياة بقلوب طفولية، يؤلمنا الماضي، ويقلقنا المستقبل؛ فيَضيع حاضرُنا، وننسي طعم السعادة. اليوم أعود طفلًا في مواجهة الحياة، وهل تهزم الحياةُ طفلًا؟!

 

ألا عودًا لروح المدرسة والطفولة في حياتنا فمفاهيم التقدم والرقي تُعرض علينا أطفالًا في مدارسنا ولكننا نتقبلها دونما وعي لصغرنا، كالاستيقاظ مبكرًا والانضباط والثقافة واتخاذ القدوات وأداء الواجبات والعيش بروح طفل. فمن أراد النجاح فليستمسك بتلك المفاهيم، وليجعلها نمط حياة، والتاريخ يضمن أن يكون دائمًا في المقدمة، إن لم يكن أحد المشاهير والمؤثرين في العالم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك