التفكير المنهجي العلمي: كيف نتعلّمه؟

1 يونيو , 2016

التفكير-العلمي-ايمان-ملال

بعد رسم الخريطة التي سنسير وفقها في هذا البحث، يجب أن نحدد الهدف الذي نصبو إليه من ورائه. فما هو هدفنا من الحديث عن التفكير العلمي؟

محتويات البحث

كيف نُدرك الأشياء؟

مفاهيم أساسية

الجزء الأول: الإدراك

– المرحلة المعرفية

– المرحلة الإدراكية

– المرحلة الحسية

– الإحساس والإدراك

– الإدراك الحسّي والإدراك العقلي

الجزء الثاني: التفكير العشوائي

– ما هو التفكير العشوائي؟

– التفكير العاطفي في مقابل التفكير المنطقي

– التفكير الخرافي/الأسطوري

– التعصّب الفكري

الجزء الثالث: التفكير العلمي وأساليب تطويره

– ما معنى أن نفكّر تفكيراً علمياً؟

– مراحل التفكير العلمي

– التفكير العلمي كبحث عن المعرفة

– التفكير العلمي والفهم العلمي: الأطفال نموذجاً

– كيف نطوّر قدرتنا على التفكير العلمي؟

– العقل المفكّر: من العشوائية إلى العلمية

– العقل المتسائل : نيوتن، وأينشتاين نموذجاً

الجزء الرابع : تكامل العقل والحواسّ

– حدود مصداقية الحواس

– تكامل المعرفة العقلية والمعرفة الحسّية

خلاصة البحث


مقدمة البحث

إننا نرغب ببساطة في اكتشاف عالم العقل البشري وكيف يمكن لهذا العقل أن يصل للمعرفة، وما هي أنواع هذه المعرفة التي يمكنه الوصول إليها؟
جميعنا بحاجة لتعلم التفكير العلمي لأنه لا يخصّ فقط مجالات العلوم وحدها، بل يشمل جميع جوانب الحياة.

أثناء محادثاتنا اليومية نحن إما ننقل أفكارنا للآخرين بطريقة علمية أو ننقلها لهم بطريقة عشوائية، لا يوجد خيار آخر. إما نناقش الناس يوميًا عن طريق البرهان والأدلة أو نناقشهم بعصبية مفرطة ونفرض آراءنا عليهم باعتماد عواطفنا ومكتسباتنا المعرفية التي لم نصل إليها بأية طريقة علمية.

في كلّ الأحوال لا يمكن لمجتمعات لا تعرف مبادئ التفكير العلمي ولا تطبقها أن تذهب أبعد من النقاشات الفارغة من كلّ معنى… بل ولن تستطيع أبداً إقناع المجتمعات الأخرى بأفكارها وآرائها.

إن العصر الحالي هو عصر المعلومة والمعرفة، ووحدهم من يملكون القدرة على التحكم بالمعرفة وأدواتها من يملكون القدرة على التحكم بالعالم.

مفاهيم أساسية

1- الإدراك: قد يخلط العديد منا مفهوم الإدراك بالإحساس والشعور، ولكن الحقيقة أن الإدراك أكبر بكثير من مجرد إحساس.

الإدراك هو تلك الوظيفة السيكولوجية/النّفسية التي يملكها الإنسان وعن طريقها يُمكنه أن يحوّل الأشياء المادية التي تقع خارج عالمه الداخلي إلى معرفة أثناء ملاحظتها. هذه الوظيفة لا تسمح فقط بتحويل طبيعة الأشياء، بل تُمكّن أيضاً من إثبات وجودها الفعلي في العالم الخارجي.

2- الإحساس: الإحساس هو ظاهرة يمكن من خلالها لمحفز فيزيولوجي خارجي (الإحساس بالحرارة مثلاً) او داخلي (الإحساس بالألم) أن يؤدي لدى كائن حيّ وواعي إلى ردّ فعل معين تكون نتيجته هي الإدراك الذي هو حالة يؤدي إليها الإحساس.

الأدوات التي تسمح للإنسان بخوض تجربة الإحساس هي حواسّه.

3- التفكير: هو قدرة الفكر على مراجعة فكرة أو موضوع معين باستعمال القدرات الذهنية المتوفرة لديه. يسمح التفكير بالانطلاق من فكرة معينة والمرور بسلسلة من الاستدلالات للوصول إلى فكرة تعبّر عن النتيجة النهائية أو الخلاصة.

قد يكون التفكير منطقياً وفي هذه الحالة فإن الاستدلالات التي يتم المرور بها تكون منطقية أي خاضعة لقوانين المنطق. وبالتالي حتى النتيجة تكون منطقية.

موضوع التفكير هو الأفكار إذن. هذه الأخيرة هي تمثّلات الواقع والأشياء وتصوّرات عنه في ذهن الإنسان. يمكن اعتبارها إذن النسخة الذهنية للواقع. كما قد تكون أيضاً أفكاراً غير مرتبطة بالواقع بل بالخيال. وحتى في هذه الحالة يوجد دوماً استناد ومرجع واقعي لهذه الأفكار. لأننا لو لم نكن نعرف ما هو الواقع لما عرفنا ما هو الخيال.

4- العقل: العقل البشري نقيض الغريزة الحيوانية، العقل هو الخاصية التي تسمح للإنسان بتمييز الخطأ من الصواب، الحُكم بشكل موضوعي على الأشياء، إنه الأداة التي تُمكن الإنسان من التحكم في سلوكاته وأفكاره وطريقة تعامله مع الناس ومعالجته للأفكار.

5- العقل البديهي: في إحدى أشهر خطاباته بحفل الدخول الدراسي الجديد بجامعة ستانفورد (2005)، قال ستيف جوبز ناصحاً الطلبة :”لا تدع الضجيج الخارجي يعلو على صوتك الداخلي. فلتكن لديك الشجاعة لاتباع قلبك وحدسك”.

يعتبر بعض علماء النفس أن العقل البديهي قد يعلو غالباً على العقل التحليلي. وكبرهان على هذا يمكننا الاطلاع على الكثير من القصص التاريخية التي أثبتت نجاح الكثيرين فقط لأنهم اتبعوا حدسهم في حين فشل الكثيرون رغم التحليلات العلمية الكثيرة والمعقدة. لأن من خصائص الحدس أنه سريع جداً كالبديهة وغير معقد كالتحليل العقلاني.

6- المعرفة العلمية: المعرفة العلمية هي معرفة أو حقيقة تمّ التوصل إليها عن طريق المنهج العلمي. تخضع هذه المعرفة للاختبار الدقيق وَالمستقل كما تحتاج لمراجعة أكثر من مختص واحد. كما يجب أن تشمل قياس نسبة الخطأ المحتمل لها، ومن الضروري أن تحظى بقبول المجتمع العلمي بشكل عام.

7- العلم:

العلم يجمع مكوّنين أساسيين هما:

– المعرفة العلمية التي تشكّل الفهم الحالي للأنظمة الطبيعية.

– المنهج الذي تمّ بناء هذه المعرفة العلمية عن طريقه والذي تتم مراجعتها به وتطويرها بشكل مستمر.

لا يمكن الحديث عن العلم دون الحديث عن هذين العنصرين الأساسيين.

المنهج العلمي المستعمل للوصول لأي معرفة يختلف بشكل كبير أحياناً من علم ومجال لآخر. ومع ذلك تشترك جميع المناهج العلمية في بعض الأساسيات التي تشمل: التساؤل، الفرضيات، الاستدلال والبرهنة والتحليل.   

الجزء الأول: الإدراك وأنواع المعرفة

كيف ندرك الأشياء؟

لنتخيل هذا الحوار الذي يدور بين عالم نفس وشخص حاضر معه:

“- ماذا ترى على الطاولة؟

– كتاب.

– أجل من الطبيعي أنه كتاب. ولكن ما الذي تراه في الواقع؟

– ما الذي تقصده؟ لقد أخبرتك للتو بأنني أرى كتاباً. كتاب صغير أحمر بغلاف أحمر.”

ثم يؤكد عالم النّفس:

“- ما هو إدراكك الحقيقي؟ أنا أطلب منك أن تصفه لي بكلّ دقة ممكنة.

-هل تريد القول بأن هذا ليس كتاباً؟ ما هو إذن؟ هل هو فخّ؟ (بدأ الشخص بفقدان صوابه)

-نعم، هذا كتاب. لا يوجد أي فخ. ما أريده هو أن تصف لي ما تلاحظه تماماً.. لا أقل ولا أكثر.

– إذن.. من الزاوية التي أقع فيها الآن، يبدو لي غلاف الكتاب على شكل متوازي أضلاع لونه أحمر فاقع.”

لقد كان عالم النفس جورج ميلر – أحد أهم مؤسسي علم النفس المعرفي- هو من تخيل هذا الحوار في كتابه “علم النفس: علم الحياة الذهنية – 1962″، وكان الهدف منه هو شرح طريقة عمل الإدراك لدى الإنسان.

في البداية وبمجرد النظر للطاولة نعتقد أننا نرى كتاباً في حين أن الحقيقة هي أننا ندرك مستطيلاً أحمر فوق سطح رمادي.. ولكننا نعرف أنه يسمى كتاباً.

هناك إذن ارتباط بين الإدراك وتأويل المعطيات البصرية بحيث أنه في هذه الحالة الإدراكية تختلط المعرفة بالإحساس والشعور.

لا يجب أن نحصر الإدراك في تلقّي المعطيات من العالم الخارجي وكأن أبصارنا هي مجرد نافذة مفتوحة على العالم في حين لا يقوم الدماغ بأية وظيفة. 

على العكس من ذلك، يقوم الدماغ بالعديد من المهامّ أثناء هذه العملية الإدراكية. فهو مثلاً يقوم بانتقاء المعطيات الخارجية، بفكّ شفراتها وتأويلها.

يتحدث معظم علماء النفس عن وجود 3 مراحل للإدراك:

1- المرحلة الحسية:

لنتخيل الآن أننا في قاعة مليئة بالأضواء المختلفة. ونحن نراقب هذه الأضواء من بعيد أو من قريب. لا شك أن أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو أننا نرى أضواءً. لكن ما يحدث بالتفصيل هو أن العين مليئة بالخلايا المستقبلة التي تتلقى فوتونات الضوء. وكلّ مستقبل يرتبط بالنورونات المسؤولة عن البصر بواسطة أعصاب بصرية.

بعض هذه الأعصاب تتخصص فقط في تحليل الألوان، أعصاب اخرى تتخصص في تحليل الإشعاع الضوئي، كما أن هناك أخرى متخصصة في تحليل الحركة بحيث أن أي ضوء متحرك في القاعة وغير ثابت سيكون من الممكن أن يتم التقاطه عن طريق مستقبِلات حركية.

وطبعاً تشرح علوم الأعصاب الكثير عن هذه العملية وبشكل أكثر تفصيلاً. ما يهمنا هنا هو أنها المرحلة الأولى في عملية الإدراك، والتي من خلالها يمكننا أن ننقل الأشياء من العالم الخارجي – المادة – إلى داخل الدماغ لتصبح جزءاً منه.

وبعد تفسير هذه المرحلة يبدو من السهل علينا أن نفهم بأن الإدراك لا يقتصر فقط على هذه العملية العصبية.

هنا يأتي دور المرحلة الثانية.

2- المرحلة الإدراكية:

رغم أن الأضواء قد تكون مشتتة في زوايا مختلفة، وبألوان مختلفة، وقد تتحرك وفق أشكال مختلفة (أضواء المهرجانات مثلاً)، إلا أن للدماغ القدرة على تصنيف هذه الأضواء وفق خصائص اللون المتشابه مثلاً، أو درجة القُرب بينها…   

وعلى هذا الأساس قد لا نرى سوى اللون الأحمر إن كان مهيمناً، أو لن نرى سوى حركة معينة وفق مسار معين…

هذه المرحلة إدراكية محضة، لأنها تتم على مستوى الدماغ الذي يملك من الإمكانيات والمخزون المعرفي السابق ما يسمح له بالفصل بين المعطيات التي يتلقاها، وترتيبها من جديد.

هناك كتاب مهمّ للفيلسوف “موريس ميرلوبونتي” عنوانه “فينومينولوجيا الإدراك” وهو يتناول بشكل مفصّل ودقيق مسألة الإدراك من كلّ الزوايا. يتحدث عن كيف أن الجسد هو مركز المعرفة، ويحاول توحيد النظريات المختلفة للإدراك (التجريبية والعقلية نموذجاً).

3- المرحلة المعرفية:

هذه المرحلة تتعلق بعملية تأويل المعطيات ويمكن فهمها بشكل جيد إذا حاولنا النظر للسماء في يوم مشمس ورأينا بعض الغيوم المتفرقة… المرحلة المعرفية ستسمح للدماغ برؤية أشكال غريبة تتشكل انطلاقاً من تلك الغيوم.

هناك من سيرى غيوماً على شكل دُب قطبي، وهناك من سيراها تشبه إنساناً أو حيواناً… إلخ.

نلاحظ أنها رغبة الدماغ في إعطاء معنى للأشياء التي يراها.

وبالتالي إذا عدنا الآن للحوار الذي تخيله جورج ميلر فإننا سوف نفهم سبب إصرار عالم النفس على طرح نفس السؤال “ما الذي تُدركه؟” لمرات عديدة. في الواقع ليس الكتاب هو ما نُدركه… نحن ندرك فقط شكله ولونه وجميع خصائصه الأخرى في المرحلة الإدراكية… وفقط عند المرحلة المعرفية نعرف بأنه فعلاً كتاب… بمعنى أن الإدراك لا يكتمل إلاّ بجميع هذه المراحل…

لتقديم حجّة أقوى على هذا… دعونا نتخيل حواراً آخر يشبه ذلك الحوار ولكن هذه المرة بين عالم نفسي وكائن فضائي قادم من كوكب مختلف جذرياً عن كوكب الأرض.

في هذه الحالة مجرد تخيل الأمر سيجعلنا نفهم أنه يستحيل على الكائن الفضائي أن يجيب عالم النفس بأنه يرى كتاباً، طبعاً مع افتراض أن الكتب لا توجد بذلك الشكل في الكوكب الآخر. وإذا افترضنا أن هذا الكائن يملك نفس القدرات الذهنية التي يملكها الإنسان العادي، فإنه بالفعل سوف يكون قادراً على المرور بالمرحلة الحسّية والمرحلة الإدراكية… ولكنه سوف يتوقف عند المرحلة المعرفية لأنه ببساطة تنقصه “المعرفة بالكتاب”. وسيكون من المستحيل أن يخرج بنفس النتائج.

الإحساس والإدراك:

عندما نقول بأننا نحسّ بتأثر أجسادنا بأشياء العالم الخارجي، فإننا نركزّ على أنفسنا ونعتبرها مرجعاً لنا.

ولكن يحدث العكس حين نقول بأننا نُدرك الأشياء التي تؤثر على أجسادنا، لأننا في هذه الحالة نحن نركّز على الأشياء وليس على أنفسنا.

هذا الاختلاف الذي يبدو بسيطاً على مستوى تركيب العبارتين الناتج عن تغيير الفعل “أحسّ” و “أدرك” هو الأساس الذي يمكننا الانطلاق منه لفهم العديد من الاختلافات التي تكمُن بين الإحساس والإدراك.

لكن ما معنى هذا؟

إنه يعني بكلّ بساطة بأن الإخساس هو نتيجة من نتائج الوعي التي نحصل عليها عن طريق الحواسّ.

الإحساس هو إذن ذلك الوصف الذي نطلقه على عملية تأثير الأشياء على حواسّنا، مع تسليط الضوء أكثر على نوع هذا التأثير وقوّته.

ما نحسّ به يقع دوماً بداخلنا، والدليل هو أننا لا يمكننا بأية طريقة أن ننقل إحساسنا للآخرين بحيث نضمن أنه سيكون الإحساس نفسه بالقوة نفسها وللسبب ذاته. وعكس ذلك، ما ندركه يقع على مسافة منّا، وليس بداخلنا. وبالتالي بإمكان أي شخص آخر أن ينجح في إدراكه بنفس الدرجة ويحظى بنفس التأثير أيضاً.

غير أن ما يجب التركيز عليه هنا هو أنه لا يمكننا أن نُدرك الأشياء إلاّ بالمقدار الذي تسمح به حواسنا.  وبالتالي إدراك العالم مرتبط بشكل كبير بقدرة أعضائنا الحسّية على رصده وإيصاله لنا.

ذهب الفيلسوف الإيرلندي “جورج بيركلي”  إلى حدود أبعد من هذه بكثير وقال ما معناه: بما أن إدراكنا للعالم محدود بحواسنا، فإن أشياء هذا العالم ما هي إلاّ مجموعة الخصائص الموجودة بداخلنا والتي توفّرها لنا حواسنا وتستعملها في وظيفتها، وأيضاً هذه الخصائص ما هي في الحقيقة إلاّ أفكار غير ملموسة على الإطلاق ما دامت تقع بداخل كياننا، وبالتالي فإن الأشياء الموجودة في هذا العالم تصبح في نهاية الأمر، حسب هذه الطريقة في الاستدلال، مجرد أفكار وتصبح حقيقة المادة أنها غير موجودة على الإطلاق.

بالنسبة لهذا الفيلسوف فإن وجودنا متعلق بأمرين فقط: إما أن نُدرك، أو أن يتم إدراكنا.

الإدراك الحسي والإدراك العقلي:

يقول الله تعالى ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ – النحل: 78

إذا تأملنا هذه الآية سنلاحظ أنها تركز بشكل كبير على ثلاثة عناصر: السمع والأبصال والأفئدة. ولكن ما علاقة هذا ببحثنا؟

تحاول الآية القرآنية أن تبيّن بأن الإنسان يولد صفحة بيضاء من الجانب المعرفي (نحن لا نتحدث عن مسألة الفطرة هنا وأن الإنسان يولد على الفطرة) وهو نفس الأمر الذي قاله الفيلسوف التجريبي جون لوك بعد ذلك عندما أكد بأن الإنسان يولد كالصفحة البيضاء الفارغة من أي معلومة أو معرفة تخص العالم. وأضاف بأن الحواس هي طريقنا نحو ملء هذه الصفحة البيضاء.

الآية القرآنية حين تركز على تلك العناصر الثلاثة تجعلنا نفهم بشكل واضح أنها هي المصدر الأساسي والأول للمعرفة… للانتقال من مرحلة الجهل بكلّ شيء إلى مرحلة معرفة الأشياء وإدراكها.

ولكننا نعلم بأن السمع والأبصار تنتمي لمجموعة الحواس الخمسة… وبالتالي فهي مصدر الإدراك الحسّي. فماذا عن الأفئدة؟

ألا يمكن أن يكون ما نسميه إدراك عقلي مرتبطاً بالعنصر الثالث الذي هو الأفئدة؟

إن كان الأمر كذلك فإن هذه الآية أفضل دليل على أن الإدراك الحسي لا يمكن أن يتم فصله عن الإدراك العقلي لفهم الأشياء والعالم.

هذا التكامل بين ما هو حسّي وما هو عقلي يمكن تفسيره بكون المعرفة التي نحصل عليها انطلاقا من حواسنا هي معرفة ناقصة وليست بالضرورة صحيحة دوماً لأنها ذاتية متعلقة بكل إنسان على حدة.

وإذا كنا نعيش في عالم يعتمد فيه الناس فقط على إدراكهم الحسي للأشياء دون المرور للعنصر الثالث الذي هو الباطن أو كما يسميه العلم “العقل”، فإن هذا سيشكّل سوء فهم كبير وسيجعل من التواصل أمراً صعباً.

هنا يُمكن العودة لقصة الفيلم “Horton Hears a Who”

إذا كان كل إنسان يتشبث بإدراكه الحسي المتعلق به وحده، فإنه سيكون في جميع الأحوال على حقّ ما دام مصدر إدراكه ذاتياً ولا يوجد أمامه أشخاص آخرون يملكون إدراكاً حسّيا مختلفاً.

ولكن إذا وضعنا مجموعة من أمثاله في مكان واحد وطلبنا منهم وصف ما يُدركونه أو مناقشة قضية معينة، فإن الاتفاق حول إدراك مُشترك يتوافق مع الإدراك الحسي لكل شخص سيكون مهمة صعبة. السبب هو انعدام الأدوات المشتركة للحوار والنقاش والتواصل.

لذلك تظهر أهمية اللجوء للأدوات العلمية والمنهجية الخاصة بالتفكير، وكأنها تشكّل لغة مشتركة بين جميع الكائنات… أو مرجعاً موضوعياً يسمح للناس بتخطي حواسهم الذاتية والخروج منها نحو مساحة حوار وتواصل خارجية مشتركة تعتمد هذه المرة على العقل أيضاً أكثر مما تعتمد على الحواس وحدها.      

هذا لا يعني أنه يمكننا التخلي عن الإدراك الحسّي لصالح الإدراك العقلي. بل يعني أن هناك تكاملاً بين الإثنين، والوصول إلى معرفة صلبة يمكننا إقناع الآخرين بها والسماح لهم بفهمها يتطلب الجمع بين الوسيلتين.

يقول ابن تيمية: “إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما يرى صاحبُها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص.

فأما القلب والأذن، فيعلمُ الإنسان بهما ما غاب عنه، ولا مجالَ للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقانِ؛ فالقلب يعقل الأشياءَ بنفسه إذا كان العلم غذاءَه وخاصيته، أما الأذن، فإنها تحملُ القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ ما فيه من العلم، فصاحبُ العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حَجَبةٌ له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه.

الجزء الثاني: التفكير العشوائي

ما هو التفكير العشوائي؟

التفكير العشوائي هو ما يقوم به الإنسان بطريقة تلقائية ولا يحتاج منه أي جهد ولا أية دراسة.

جميعنا نلاحظ أن هذا النوع من التفكير هو السائد بشكل كبير في مجتمعاتنا، والسبب هو سهولته وبساطته، لأن الناس يميلون دائماً للنشاطات التي لا يتتطلب مجهوداً ذهنيا كبيراً. ولكنهم لا يدركون مدى خطورته سواء على قدراتهم الذهنية أو على علاقاتهم مع الآخرين.

التفكير العاطفي في مقابل التفكير المنطقي

التفكير العاطفي يعتمد على الشخص في حد ذاته، على قيمه وأذواقه ونظرته الذاتية للأشياء. بشكل عام هو يعتمد على العواطف.

الأفكار ووجهات النظر التي تختلف مع أفكارك تدفع بك لردود الأفعال الغاضبة، وتلك التي تتفق مع أفكارك تجعلك سعيداً.

إذن تحول عاطفتك دون التفكير المنطقي والعقلاني في ما تسمع وتراه، وبالتالي تقف حاجزاً بينك وبين المعرفة العلمية والحقيقة.

لنأخذ مثالاً:

إذا كنت جائعاً ورأيت بيتزا ساخنة فإنك سترغب فيها بشدة لأنك تعرف بأن مذاقها سيكون لذيذاً. وهذا ردّ فعل عاطفي.

إذا حاولنا تطبيق التفكير المنطقي على هذا المثال فإنه سيدفع بنا إلى التساؤل عن القيمة الغذائية للبيتزا والأضرار التي من المحتمل أن تنتج عن استهلاكها قبل اتخاذ أي قرار بتناولها. وهنا يتم إهمال العاطفة لصالح التفكير العقلاني. وإذا خلصنا إلى نتيجة أن البيتزا ليست صحّية، فإننا سنتوقف عن التفكير في أمرها.

تظهر الصراعات الحقيقية بداخلنا حين تتعارض ردود الأفعال العاطفية التي نتخذها مع القيم المنطقية والعقلانية لتلك المواضيع. ومما لا شك فيه أن هذه الردود العاطفية المحضة قد تسبب أضراراً كبيرة للإنسان.

نموذج الآلات والحواسيب

إن التفكير المنطقي يعتمد على المنطق الذي يقول إما أن يكون الشيء صالحاً أم لا، إما أن يكون مهماً أو لا، إما أن تكون الفكرة صحيحة أو خاطئة. وإذا فكرنا في كيفية عمل الآلات الميكانيكية والروبوتات والحواسيب سنفهم هذا التفكير المنطقي بشكل أفضل. هذه الآلات تعمل وفق خوارزميات (لوغاريتمات) ترسم لها مسار الحركة ورد الفعل بحيث لا يوجد مكان لتدخل الآلة بنفسها بأي شكل من أشكال العاطفة.

تعمل الخوارزميات عن طريق بناء فرضيات وشروط وتحديد نتائج مناسبة لكلّ حالة. أي ما يسمى بالبرمجة. مثلاً:

– إذا كانت نسبة الكولسترول في الغذاء “أ” تتجاوز القيمة “ب” فيجب تنفيذ الأمر: عدم تناول هذا الغذاء.

– إذا كانت درجة الحرارة تساوي أو أقل من 12 فيجب تنفيذ الأمر: ارتداء معطف دافئ.

هذا هو التفكير المنطقي، لا وجود لقرار لا يتناسب مع قاعدة منطقية معينة.

الآن إذا حاولنا التعبير عن التفكير العاطفي بنفس الطريقة، فسوف نقول بأنه عبارة عن لوغاريتمات أيضاً ولكنها هذه المرة بنتائج متغيرة حسب العديد من العوامل العاطفية.

يمكننا التعبير عن الأمر هذه المرة بهذه الأمثلة:

– إذا كان نسبة الكولسترول في الغذاء “أ” تتجاوز القيمة “ب” فيجب التأكد أولاّ من عدم وجود هذا الغذاء في قامة الأغذية التي يحبها المستعمل قبل اتخاذ قرار إلغاء تناولها.

في هذه الحالة سوف يتأثر القرار بأمر عاطفي هو الذوق.

– إذا كانت درجة الحرارة تساوي أو أقل من 12 فيجب التأكد من اختيارات الشخص بخصوص اللباس قبل طلب تنفيذ أمر ارتداء المعطف.

وهنا أيضا ستتغير النتيجة حسب اختيار الشخص في طريقة اللباس. حتى ولو كانت درجة الحرارة أقل من 12 فإن اللوغاريتم قد يعطي النتيجة التي تسمح بعدم ارتداء المعطف لسبب بسيط هو أن اختيارات الشخص الذي لا يحب ارتداء المعطف مثلاً قد أثرت في النتيجة.

هل يمكن الجمع بينهما؟

إذا حاولنا الخروج من النظرة الثنائية للأشياء، إما أن يكون الشيء أبيض أو أسود ولا وجود للرمادي.. فإننا سوف نفكر بطريقة أخرى ونقول بأن التفكير المنطقي بحاجة للتفكير العاطفي أحياناً. لا يمكننا كبشر أن نقارن أنفسنا بالآلات. وإلاّ لكنا خُلقنا آلات وانتهى الأمر عند هذا الحد.

الآلات لا تملك القدرة على التأقلم بشكل منفصل عن الأوامر التي تتلقاها، لكن الإنسان يستطيع ذلك.

هذه الملاحظة ستظهر بشكل واضح في الفرضيات والشروط الأكثر تعقيداً من مجرد نسبة كولستيرول أو درجة حرارة. هناك أمور لا يمكن قياسها، وحتى ولو تم قياسها لا يمكننا أن نضمن أنها ستظل دوماً إما مفيدة أو غير مفيدة.

هناك قرارات معقدة لا يمكن اتخاذها بالمنطق وحده لأنه محدود بالقياسات الكمّية ولا يملك أدنى فكرة عن الكيف. لذلك نحتاج العاطفة أيضاً لكي تُكمله. ولكن ليس بشكل يفوق الحدود.

التفكير الخرافي/الأسطوري

يمكن القول بأنه أول أنواع التفكير التي عرفها الإنسان منذ بداية التاريخ.

في بعض أجزاء الكتاب الموسوعة “قصة الحضارة” يتحدث “ويل ديورانت” بشكل مفصّل عن نشأة التفكير الخرافي لدى الإنسان الأول. ومن خلال قراءتنا له يمكن أن نفهم أن التفكير الخرافي كان ملازماً للإنسان في شتى المجالات لسبب واحد وهو أنه كان غير قادر عن تفسير ما يحدث وما يلاحظه بشكل عقلاني، وبالتالي كان يلجأ للخرافة وتفسير كل شيء بالقوى الخارقة للعادة والأرواح وغيرها.

حين يهطل المطر ولا يعرفون تفسير الأمر كانوا يقومون بربطه بشيء بسيط يقع تحت أنظارهم وملاحظتهم، مثلاً تفسيره على أنه غضب السماء من شخص معين من جماعتهم.

يذكر ويل ديورانت في نفس الكتاب أن بعض القبائل كانت تفسّر الحمل والولادة بوجود أرواح تسكن بطن المرأة وتخرج على شكل إنسان آخر. لأنهم لم يكونوا في مرحلة من الوعي والتقدم العلمي تسمح لهم بفهم أسباب الحمل.

ولكن مع تطور الأدوات العلمية بدأ التفكير الخرافي ينقص شيئاً فشيئاً وقضى العلم والمنطق عليه بشكل جزئي لحد الآن.

التعصّب الفكري

إن التفكير العشوائي يؤدي بالتأكيد إلى التعصب الفكري كنتيجة حتمية.

من كان منغلقاً على أفكاره وقيمه وعواطفه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينفتح على آراء الغير.

التعصب هو نتاج للتفكير العشوائي الذي يجعل صاحبه ينغلق على نفسه وينبذ الآخر ويشعر تجاهه بالكراهية لمجرد اختلاف أساليب التفكير.

ولكن كيف يتخلص الإنسان من هذا التفكير العشوائي؟

وكيف يمكننا الانتقال لمرحلة من التفكير أكثر جدّية وعقلانية؟

هنا يأتي دور التفكير العلمي المنهجي الذي سنتحدث عنه في الجزء التالي.

الجزء الثالث: التفكير العلمي وأساليب تطويره

ما معنى أن نفكّر تفكيراً علمياً؟

قد نلمس التفكير العلمي في طريقة إثبات عالم رياضيات لبُرهانه المنطقي على علاقة رياضية ما، كما قد نلمسه في الجواب الذي يقدمه عالم فيزياء حين يُسأل عن إثبات نظرية فيزيائية معينة. وقد يكون التفكير العلمي ملموساً ببساطة على مستوى الأبحاث الأكاديمية التي نقوم بها جميعاً في المعاهد والجامعات.

ولكن هذه كلها تعريفات بديهية لا توفي التفكير العلمي حقّه من التفسير. إنه مجال عميق من الأدوات والقواعد والغايات.

مراحل التفكير العلمي

سنقوم بتبسيط المراحل السبعة الأهم التي يمرّ منها التفكير العلمي بحيث يكون بمقدرونا أن نطبّقها في حياتنا اليومية وأن نعلّمها للأطفال أيضاً.

الملاحظة

قبل أن نتحدث عن التفكير العلمي في موضوع معين، يجب أن ننتبه إلى أهمية الملاحظة التي ترتبط بالحواس، وتشمل البحث وانتقاء المعلومات حول الموضوع أو الفكرة التي يشملها التفكير.

ولكي تنجح هذه المراحل جميعها يجب التركيز على جودة الملاحظة، جعلها موضوعية ما أمكن كي لا نقع في الانحياز للنتائج أو المعلومات منذ البداية.

طرح الإشكال

في هذه المرحلة يجب العمل على المعطيات التي أدت إليها الملاحظة، ومحاولة فهمها بشكل معمق لأجل التوصل إلى طرح الأسئلة المناسبة.

لاحظنا بأن الإشكالية مهمة جداً في البحوث الأكاديمية. لا يمكننا أن نقوم بدراسة بحث أكاديمي دون أن نطرح الإشكالية في البداية، لأنها تحدد المسار الذي سنسلكه، فهي الهدف من ذلك البحث العلمي. وبدون هدف لا يمكننا أن نصل لأي شيء.

الإشكالات قد تكون متعددة حسب نوع المعرفة التي نود الوصول إليها وحسب المتغيرات التي يشملها الموضوع المدروس.

وضع الفرضيات

إذا توقفنا عند مرحلتي الملاحظة والإشكال فلن نصل لأي نتيجة. من المهم جداً محاولة تشخيص النتائج التي أسفرت عنها الملاحظة وتفكيكها لأجل الوصول إلى فرضيات معينة تشمل الأسباب والنتائج والشروط المتعلقة بالموضوع المدروس.

في المواضيع العلمية المحضة يتم استعمال الرياضيات مثلاً لأجل صياغة هذه الفرضيات، ولكن في الحياة العامة ليس من الضروري فعل ذلك. 

تقييم الفرضيات

أهمية هذه المرحلة تكمن في كونها الوسيلة التي ستسمح لنا بتقييم الفرضيات التي سبق إنتاجها، وبالتالي تحديد أي منها أكثر معقولية وصحّة. وأيها يجب علينا إلغاؤه لأي سبب من الأسباب.

يمكن أيضاً أن يتم وضع توقّعات لفرضيات أخرى ناتجة عن الفرضيات السابقة.

وكلما تبيّن أن التجارب لا تؤكد الفرضية وجب علينا إلغاء الفرضية. التجربة العلمية تملك السّلطة الأقوى هنا.

الاستنتاج

في هذه المرحلة تجد الإشكاليات حلاً لها. وبالتالي نصل عن طريق جميع الخطوات السابقة إلى النتيجة النهائية التي تحلّ المشكلة المطروحة ويكون هذا المنهج العلمي قد أدى لخلاصة معقولة وموضوعية غير خاضعة للعواطف أو للتفكير العشوائي.

المميز في هذه الخطوات أنها قابلة للتطبيق في مجالات متعددة من الحياة اليومية ولا تقتصر على الميدان العلمي فقط.

التفكير العلمي كبحث عن المعرفة

لا يقتصر مجال التفكير العلمي على العلم وحده، رغم أن الوصف العلمي ترتبط به. يمكننا أن نتحدث عن تفكير علمي في جميع مجالات الحياة اليومية، الاجتماعية أو المعرفية.

تقول الكاتبة “Deanna Kuhn” صاحبة الكتاب “The Development of Argument Skills” بأن أهداف التفكير العلمي مرتبطة بشكل كبير بالتفكير الإقناعي والبرهاني أكثر مما هي مرتبطة بالتّجريب (Experimentation).

وعكس الإدراك، يعتبر التفكير العلمي اجتماعيا بطبيعته أكثر مما هو فعل فردي يتمّ بداخل دماغ الإنسان وحده، لأن مجموعة من الأفراد يمكن أن يجتمعوا في مكان واحد ويمارسوا التفكير العلمي معاً… ولكن لا يمكنهم أن يشتركوا في تجربة الإدراك نفسها أبداً.

يمكننا أن نعرّف التفكير العلمي في مرحلة أولى كبحث عن المعرفة. لأنه يسمح لنا برسم خريطة طريق يمكننا اعتمادها للسّير من نقطة انطلاق غالباً ما تكون نقطة الجهل إلى نقطة أو عدد من نقاط الوصول التي تكون في معظم الحالات نقاط المعرفة.

يمكننا البحث عن المعرفة بأساليب عديدة، كلامنا لا يعني أن التفكير العلمي هو الطريق الأوحد والحصريّ لتحصيل المعارف، ما يعنيه هو أن التفكير العلمي من أفضل الوسائل التي يمكن اعتمادها للأسباب التالية:

1- التفكير العلمي يسمح باختصار الطريق والمسافة نحو المعرفة

2- بالحصول على معرفة دقيقة ومعتمدة غير عشوائية

3- بامتلاك الأدوات البرهانية اللازمة للدفاع عن هذه المعرفة بعد تحصيلها

4- بامتلاك الأدوات اللازمة لنقد ما نصادفه من معرفة في طريقنا وتفكيكه لأجل انتقاء العناصر المعرفية الأكثر مصداقية وتوافقاً مع العقل والحسّ السليم

5- بالانفتاح على المعرفة التي يصل إليها الآخر بأساليب علمية أخرى وفتح باب الحوار والمناقشة

6- نبذ التعصب للرأي دون وجود أدلة

7- التخلص من النظرة العاطفية للأمور

ما أهم نتائج التفكير العلمي؟

إذا رغبنا في طرح سؤال الجدوى من التفكير العلمي، وما إذا كنا سنظل عالقين في مرحلة التفكير العلمي للأبد، فسيكون الجواب هو كما تحدثت عنه العديد من البحوث العلمية في هذا المجال: النتيجة المثالية التي يمكن أن يخلص إليها التفكير العلمي هي الفهم العلمي.

إذن يصبح التفكير العلمي الآن مجرد وسيلة تهدف إلى تحقيق الفهم العلمي، وليس غاية في حد ذاته.

لذلك سنتحدث أكثر في الفقرة القادمة عن هذا الفهم العلمي.

التفكير العلمي والفهم العلمي: الأطفال نموذجاً

سنة 2006 قام الباحثان Susan A. Gelman  و  Kalish, C. W بنشر بحث أكاديمي مطوّل يتحدث عن تطور فهم الأطفال في مجالات الفيزياء، البيولوجيا وعلم النفس.

يقول البحث بأن الأطفال يقومون ببناء نظريات ضمنية تسمح لهم بترتيب أفكارهم حول العالم وتفسير ما يحيط بهم من ظواهر، و ذلك منذ المراحل المبكرة من حياتهم. وكما يمكن لأي أحد أن يخمّنه، تعتبر هذه النظريات التي يبنونها في أغلب الحالات خاطئة وناقصة.   

ولأجل تصحيحها، يجب مراجعتها وتدقيقها ثم مواجهتها بالأدلة العقلية والأمثلة. وهذا ما يسمّيه الباحثان “التغيير المفاهيمي”.

طبعاً ما نقصده هنا بالنظرية هو أي شكل من أشكال التمثيل المعرفي للأشياء في ذهن الإنسان، ولا نقصد فقط النظريات العلمية الكاملة والدقيقة.

إن اكتساب المعرفة هو بالتالي ليس مجرد تراكم للمعارف بطريقة عشوائية، ولكنه تغيير جذري أو جزئي يحدث على مستوى المفاهيم التي نستعملها للتوصل إلى هذه المعرفة.

يمكننا أن نتساءل هنا عن الكيفية التي يمكن بها مراجعة هذه النظريات وغيرها، وعن علاقتها بالتفكير العلمي.

يحيلنا هذا السؤال إلى علوم التربية لأن هدفها الأول هو تطوير فهم الظواهر العلمية. غير أن هذا وحده غير كافٍ على الإطلاق. يجب أن ننجح في الدفع بهذا الفهم إلى الأمام، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلاّ إذا تم من خلال التفكير العلمي. 

يلجأ الأطفال إلى تكوين النظريات التي تخصهم بهدف تفسير ما يحدث تحت إطار حواسّهم وتجاربهم، كما أنهم يقومون أيضاً بعملية المراجعة لهذه النظرية بطريقة لاواعية في الغالب، ما دام التقدم في السن يعني تجارب جديدة.

في الواقع، حتى الأطفال يمارسون نوعاً من التفكير العلمي في هذه المرحلة المبكرة.

الطريقة التي يراجعون بها نظرياتهم عن العالم المحيط بهم تشترك مع التفكير العلمي في خاصيتين أساسيتين:

أولاً: تشترك عملية مراجعة النظريات مع التفكير العلمي في التنسيق بين النظرية والدليل.

ثانياً: يمكن لكليهما أن يقودا إلى الفهم العلمي.

يظهر لنا أن الفرق ليس كبيراً جداً ما دامت النتيجة واحدة.

ما يفعله الأطفال هو أنهم يفكّرون باستعمال نظرياتهم عن العالم، وهذا ما يصنع الفرق بينهم وبين الرّاشدين الذي يفكرون في النظريات وليس بها لأنها ببساطة ليست غاية بل مجرد طريق. وسرعان ما يبدأ الأطفال في اكشاف هذه المسألة أيضاً، وهنا تظهر المراجعات المتكررة لهذه النظريات كلما تقدم العمر.

لا أحد قام بتعليم الأطفال هذا. ولا بتعليمنا نحن عندما كنا أطفالاً. ومع ذلك كنا نقوم به بطريقة لاواعية.

على سبيل المثال، كنا نشاهد التلفاز ونرى مشاهد معينة أغلبنا كان يظنها حقيقية بالفعل… كنا نعتقد أن شاشة التلفاز ما هي إلا نافذة تفصلنا عن عالم تلك الكائنات وهؤلاء البشر الذين يظهرون هناك… ولكن لنفترض أن هذه هي نظرية أحد الأطفال. في أحد الأيام يدخل غرفته لمشاهدة التلفاز من جديد ولكن يفاجئ بأنه قد وقع أرضاً وتحطّم بشكل كلّي. شظايا الزجاج في كلّ مكان، ولا توجد أي من تلك الكائنات ولا تلك الأشياء التي كان يشاهدها قبل ساعة. عند هذه اللحظة يقوم الطفل بمراجعة نظريته السابقة عن التلفاز، ويفهم بشكل جيد أنه مجرد صندوق وأن ما كان يراه مجرد صور اختفت عند أول سقوط له.

ما حدث هنا هو أن الطفل قام بمواجهة الدليل بالنظرية… وأثبت لنفسه خطأها. وربما استبدلها بأخرى مباشرة. هذا هو ما نقصده بالشّبه بين التفكير العلمي والمراجعة النظرية لدى الأطفال الذين لا يملكون وعياً بما يقومون به.

لكن ما الذي يجعل المراجعة الضمنية للنظريات تتحول إلى تفكير علمي؟ إنها الرغبة في المعرفة !

في إطار التفكير العلمي يصبح ما كان فعلاً لاواعياً أثناء الطفولة عملية واعية يقوم بها الإنسان بدل أن تحدث معه بشكل غير مخطط له.

كيف نطوّر قدرتنا على التفكير العلمي؟

من الصعب أن ينجح الإنسان في تطوير تفكيره العلمي رغم أن الأمر قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى. ولكن هذا لا يعني استحالة الأمر.

وكأي قدرات أخرى، يكفي أن تتوفر الرغبة في التعلم وبذل الجهد الكبير إذا كان الهدف فعلاً هو الوصول إلى الحقيقة والتمكن من المعرفة التي يملكها الإنسان، والتخلص من التخبط العشوائي بين الأفكار والتعصب للرأي الشخصي.

وكما نكرّر دوماً، القدرة على التفكير العلمي لا يقتصر على المجالات العلمية والبحثية، بل هو شامل لكلّ ما يخص الحياة العامة للبشر.

غير أن التفكير العلمي لا يمكن تطويره دفعة واحدة لدى الإنسان. هناك خطوات عديدة يمكن اتباعها حسب طبيعة الشخص وقدرته على التعلم. لذلك سنقترح هنا خطة مبدئية تسمح باكتساب القدرة على التفكير العلمي إذا تم فهمها بشكل جيد وتطبيقها.

ما يجب تطويره كمرحلة أولى هو القدرة على الدهشة، والاستمرار فيها لزمن طويل. هذا يعني أن الدهشة قد تستمر ربما من بضع ساعات لأعوام كاملة. ولكن ما هي الدهشة؟

إنها التوقف عند ما يبدو به شيء من الغرابة وإدراك عدم فهمه بشكل جزئي أو كامل. كما ترتبط في الحياة العامة بعنصر المفاجأة.

لكن الدهشة في إطار التفكير العلمي هي دهشة فلسفية أكثر مما هي مفاجأة وحسب.

الدّهشة في مفهومها العام هي انفعال ورجّة وجدانيّة عنيفة، وذهول أمام كلّ ما هو خارق للعادة والمألوف، إنها حالة ذهنية مصحوبة بالتوتر والحيرة وهي تصيب العقل عندما يعجز عن إستيعاب وإدراك ظاهرة أو معطى وتصنيفه ضمن الأفكار الموجودة سابقاً في الذهن، لهذا ينشأ صراع معرفي داخلي لدى الإنسان. هذا يعني أن الدهشة عموماً مفاجأة بسبب أشياء لا متوقعة.

الدهشة الفلسفية تختلف كثيراً عن الدهشة الطبيعية أو العادية لأن أن هذه الأخيرة تحدث أمام اللامألوف، بينما تحصل الأولى أمام المألوف والمعتاد (مثال تقريبي لدهشة علمية: دهشة نيوتن- مكتشف الجاذبية – من ظاهرة جد مألوفة تتمثل في سقوط التفاحة إلى الأسفل وعدم سقوطها نحو الأعلى !)

الدهشة الفلسفية لا تعني أن نقف أمام الأشياء غير العادية، بل على العكس من ذلك هي ترتبط بظواهر الطبيعة التي نبصرها يوميا ثم نضعها موضع سؤال من جديد حتى ولو كانت هناك أجوبة سابقة لها.

الدهشة رغبة في المعرفة

أهمية الدهشة هي في كونها دليلاً على الرغبة في المعرفة. إن الطفل يندهش من كلّ الأشياء في بدايات اكتشافه للعالم، والسبب هو أنه يريد أن يفهم ما الذي يحدث أمامه ولماذا وكيف. لكنه بمجرد بداية تكوينه لفرضيات تفسّر كلّ شيء، حتى ولو كانت خاطئة، فإنه يتوقف عن الدهشة أمام تلك الأمور… إلى أن يحدث شيء جديد يجعله يعيد النظر في فرضياته.

هذا يعني أن الدهشة هي ببساطة عنصر مهمّ لمقاومة العادة والتقليد. لأنها دائماً تملك القدرة على إحياء نفسها من جديد وبالتالي السماح للإنسان بالتوقف عن رؤية الأشياء كما تبدو عليه في العادة والبحث عن خفايا أخرى قد لا تظهر للإنسان الذي لا يملك القدرة على الدهشة.

لكن لماذا نتحدث عن تعلّم الدهشة؟

لأن الإنسان عموماً لا يمكنه أن يقف مندهشاً أمام فكرة أو شيء ما لأكثر من بضع ثواني… وهي المدة الزمنية اللازمة والكافية لكي يصبح ذلك الشيء عادياً جداً أمام العقل. لنقُل إذن إنها مجرد ردّ فعل عشوائي لدى العديد من الناس.

ولكن ما نتحدث عنه هنا هو عمل كبير على تحويل الدهشة من ردّ فعل خاطف إلى عادة وسلوك يمكن استعماله لغايات علمية.

المشكلة الثانية أن أغلب الناس يخشون الأشياء غير العادية، والأفكار الجديدة، ولذلك نلاحظ أن المجتمعات والمؤسسات كانت تقف في وجه أي شخص يأتي بفكرة جديدة تخالف ما هو سائد. السبب الرئيسي هنا هو أن الخوف من المجهول يدفع بالإنسان إلى المقاومة. وبالتالي يقوم بإعدام الدهشة قبل أن تولد كي يعود لسيرورة الحياة الطبيعية والمألوفة. الإنسان بطبيعته ينفر من كلّ ما يتطلب الحهد الكبير ويميل للكسل وما لا يتطلب العناء الكثير. لذلك هو عدوّ للدهشة.

وليس بمعاداة الدهشة يتطور التفكير العلمي. بل بمصادقتها.

تطوير التفكير العلمي يجب ان يمر بتطوير القدرة على التفكير في المجهول الذي لا دليل عليه الآن ولكنه رغم ذلك يقع في حدود الممكن، وتقبّل فكرة إمكانية وجود تفسيرات أخرى غير تلك التي تعودنا عليها. وهذا ما يفعله الطفل بالضبط. لو لم يكن الطفل قادراً على فعل هذا لكان يكبر وهو لا زال يؤمن بالفرضيات الخرافية والأسطورية اللامنطقية التي كانت تبدو له حقيقية منذ طفولته.

التفكير العلمي لا يعني أنه يجب عليك أن تؤمن فقط بما يوجد دليل عليه في الوقت الحاضر، وهذا ما يعتقده الجميع بشكل خاطئ. التفكير العلمي هو عدم الإيمان بما لا يوجد عليه دليل عقلي أو تجريبي.

لو كان العلماء لا يؤمنون سوى بما يثبت الواقع وجود أدلة على صحته، فإن هذا لم يكن ليسمح لهم بالوصول لأشياء جديدة واكتشافات أخرى على الإطلاق. 

لا يقتصر التفكير العلمي على الأدلة فقط، بل ما يهم فيه هو الفرضيات.

القدرة على طرح الأسئلة

ثاني أهم مرحلة بعد الدهشة هي القدرة على التساؤل. الأسئلة مهمّة لدرجة كبيرة جداً ولا تقل أهميتها عن الدهشة.

في هذه المرحلة من المهم جداً أن يكون الإنسان قادراً على صياغة الأسئلة التي تعبر عن دهشته. لأنه دون أسئلة لا يمكن البحث عن أجوبة ولا يمكن أيضاً إنتاج الفرضيات في المرحلة الموالية.

الأطفال هم أكثر من يطرح الأسئلة كما نعرف. لا يسمحون لأي شيء يبدو لهم مجهولاً أن يمرّ دون وقوف عنده. لذلك لا يهمّ هل هي أسئلة غبية أم أسئلة كبيرة.. غالباً الأسئلة التي تبدو تافهة هي التي أدت إلى الاكتشافات العظيمة.

إنتاج الفرضيات

لذلك فالقدرة على إنتاج الفرضيات – كالطفل الصغير الذي يحاول اكتشاف الأشياء لأول مرة – مهمّة جداً من حيث أنها تسمح بتشكيل نوع من الفهم العلمي للواقع… لأن هذه الفرضيات ستخضع فيما بعد للمواجهة مع الوقائع والقوانين المعلومة لإثبات صحتها من عدمها. الأهم في هذه المرحلة هي القدرة على إنتاج الفرضيات الأكثر مثالية من حيث اقترابها الشديد من تفسير الواقع حتى ولو لم تكن الأدلة متوفرة، وليس فقط التفسير بل أيضاً توقّع ما قد يتحدث في المستقبل بناءً عليها.

لنأخذ مثالاً على هذا:

عندما تتحدث الفيزياء النظرية عن عناصر مثل الفوتونات والذرات والإلكترونات والنوترونات التي يتحرك بعضها في مسارات حددتها الفيزياء بقوانين ومعادلات جعلت من الممكن التنبؤ بحركتها المستقبلية حتى قبل حدوثها… فإن فرضيات الحركة تبقى مجرد فرضيات وحسب. لا أحد رأى إلكترونات تجري وتدور بتلك الطريقة التي تصفها بها الفيزياء… ولا أحد رأى الذرات من الداخل ومع ذلك فإن مجرد إمكانية التنبؤ بأشياء كثيرة انطلاقا من هذه الفرضيات هو أمر يجعل منها صحيحة وواقعية.

إذن ليست المسألة أن يوجد الدليل المادي، بل أن يكون على الأقل هناك دليل عقلي ومنطقي يقدم نتائج مقبولة وصحيح حين يتم تطبيقه على الواقع.

من هنا نستنتج أن أي شخص يمكن أن ينفي كلّ تلك النظريات السابقة ويبني نظريات جديدة فوقها… وبالتالي فإن العلم لم يقل بعد كلمته الأخيرة. كما أنه لا يفسّر الواقع كما هو… بل يضع فرضيات حول هذا الواقع. وكلّ فرضية علمية قابلة للتكذيب.

لذلك قال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: “النظريات العلمية فانية، وهي فانية لأنها علمية.”

الفرضية ليست هي الواقع

وهذه المرحلة الرابعة في مسيرة تطوير التفكير العلمي. يجب أن تكون لدى الإنسان القدرة على التمييز بين الفرضيات والواقع. ومعرفة أن الواقع لا يمكن دحضه، في حين أن كلّ نظرية قابلة للدحض.

كما أن أي شيء يصل إليه الإنسان بعقله سيظل دوماً مجرداً تصوّر – فرضية عن الواقع، وليس هو الواقع نفسه.

تأثير هذا على الحوارات اليومية بين الناس كبير جداً. إذا كان كلّ فرد يفهم هذا الفرق ويُدركه فإن التعصب لوجهة النظر الواحدة سوف يختفي، كما أن الناس سيتوقفون عن ادعاء امتلاك الحقيقة بمجرد إيمانهم بفرضية تبدو لهم قريبة من الواقع.

هناك دوماً إمكانية أن تأتي فكرة أخرى أفضل وأدقّ وأقرب للواقع من سابقتها.

وتعلّم التفكير العلمي هو بالضبط ما يسمح لنا بترقّب هذه الفكرة دائماً… وعدم الوقوف ضدّها وإعدامها حين تظهر أول مرة.

العقل المفكّر: من العشوائية إلى العلمية  

لكي ينتقل العقل المفكر من مرحلة العشوائية واللاعلمية إلى العلمية فإنه يمرّ بستّ خطوات سنوضحها كالتالي:

المفكر العشوائي: لا يملك وعياً بالمشاكل التي تخص المواضيع التي يتناولها سواء كانت قضايا علمية أو عامة. وبالتالي لا يمكنه التمييز بين الحقائق والأكاذيب.

المفكّر المُتحدّى: يبدأ عند هذه المرحلة بالوعي بأنه غالباً ما يخطئ في التفكير بطريقة علمية.

المفكر العلمي المبتدئ: هنا يبدأ الإنسان في العمل على تطوير تفكيره العلمي، غير أنه لا يمارس ذلك بصفة دائمة. أي أنه يحاول فعل ذلك بطريقة عشوائية فقط دون استمرارية.

المفكر العلمي المُمارس: عند هذه المرحلة يبدأ في الوعي بأهمية الممارسة الدائمة.

المفكر العلمي المتقدم: تتميز هذه المرحلة باستمرارية ممارسة التفكير العلمي وعدم انقطاعه.

المفكر العلمي المتفوق: آخر مرحلة من مراحل تطوّر العقل المفكر وعندها تصبح عادات وأساليب التفكير العلمي طبيعة ثانية للإنسان وجزءاً لا يتجزأ منه.

العقل المتسائل : نيوتن وأينشتاين نموذجاً

يعتقد الناس بأن العامل المشترك بين جميع العلماء والمفكرين هو العبقرية. ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق. الأمر الذي يربط بين نيوتن وأينشتاين على سبيل المثال هو التساؤل الكثيف وليس العبقرية.

غير أنها طريقة مختلفة في طرح الأسئلة. هذا لا يعني أنها اكتفيا دوماً بالتساؤل وتجاهل الأمر بعد ذلك. لقد كانت لديهما القدرة على الدفع بالأسئلة نحو الأمام عن طريق استعمال العقل الناقد وبالتالي تمكّنا، هما وغيرهما، من تغيير نظرتنا للعالم كلّه فقط عن طريق التساؤل البنّاء. لأنهم لو لم يفعلوا جميعاً ذلك لكنا لا نزال نجهل الكثير من الأشياء عن العالم وعن أنفسنا.

نيوتن

في سنّ 19 كتب نيوتن قائمة من الأسئلة وواجه بها أكثر من 45 مفكراً في ذلك الوقت، وكان عنوانها « Quaestiones» . وكان الهدف منها هو التساؤل المستمر عن طبيعة المادة، الزمان، المكان، والحركة.

على سبيل المثال، قام نيوتن في ذلك الوقت بشراء كتاب ديكارت “التأملات” وبدأ بقراءته، ولكنه واجه مشاكل في الفهم عند وصوله للصفحة الثالثة، ولم يستطع التقدم في القراءة. ولذلك توقف وعاد للقراءة من جديد وفي هذه المرة تقدّم أكثر من 3 صفحات. وكان يكرر نفس الشيء عندما يصادف ما لا يفهمه، إلى أن أصبح يتقن كلّ ما جاء به ديكارت.

عندما سألوا نيوتن كيف اكتشف قانون الجاذبية قال لهم:” لم أكن أتوقف عن التفكير فيه.”

رغم كل ذلك كان نيوتن يعتبر أنه مجرد طفل يلهو على شاطئ المعرفة. وأنه لا يزال أمامه بحر عميق من المعارف التي لم يتم اكتشافها بعد.

أينشتاين

العالم كله يعرف تاريخ أينشتاين المدرسي الضعيف النتائج لدرجة أنه في يوم ما عندما سأل والده مدير المدرسة عن المهنة التي يجب على ولد ممارستها قال له:”هذا لا يهم. فهو لن ينجح في أي شيء على الإطلاق.

طبعاً كان تفسير أينشتاين لفشله الدراسي مختلفاً لأنه قال بأن المدرسة كانت تتطلب انصياعاً وطاعةً لم يكن يطيقها.

لم يكن يبدو عليه علامات العبقرية على الإطلاق. وحتى عندما كبر في السنّ نفى بشكل مطلق أن عقله كان خارقاً بأي شكل من الأشكال:” أنا لا أملك موهبة خاصة. أنا فقط فضولي بشكل كبير.”

فشل أينشتاين لم يتعلق بالمدرسة فقط، بل حتى في المرحلة الجامعية فشل في اختبار الدخول لمعهد “زوريخ بوليتيكنيك- Zurich Polytechnic”.  وعندما نجح فيه أخيراً قال بان ذلك الامتحان حدّ كثيراً من قدراته العقلية لدرجة أنه رفض التفكير في المشاكل العلمية لمدة سنة كاملة.

ورغم نجاحه فيه إلاّ أن نتائجه لم تكن مشرّفة. وباعتبار أنها كانت أقل نتيجة من بين أقرانه في اختبار التقدم لوظيفة، لم يسمحوا له بالعمل كَمساعد في المعهد.

ببساطة لم يكن أينشتاين موهوباً في الإجابة عن أسئلة الاختبارات ولكنه كان الأكثر موهبة في طرح الأسئلة العميقة.

الجزء الرابع: تكامل العقل والحواسّ

حدود مصداقية الحواس

الحواس هي قبل كلّ شيء نافذتنا المطلة على العالم. من خلالها يمكننا أن نرى ونسمع ونشمّ ونلمس… ولو تخيلنا كائناً بشريا لا يملك أي حاسة من هذه، لا يستطيع أن يرى ولا أن يسمع ولا أن يفعل أي شيء آخر سببه الحواس… فكيف سيعيش هذا الإنسان؟

غير أن الحواس ليست قادرة على تخطّي حدود معيّنة مهما بلغت قوّتها.

إذا أخذنا العين على سبيل المثال سنفكر مباشرة فيما يسمى بالخدع البصرية. بمجرد أن يغير الإنسان زاوية أو طريقة أو مسافة النظر لشيء ما فإن نتائج الرؤية تختلف بشكل كبير. أحياناً يرى الإنسان أشياء لا وجود لها في الواقع، وأحيانا لا يرى أشياء موجودة بالفعل.

فهو يرى الماء حيث لا يوجد ماء (السّراب)، ويرى أشياء تتحرك في صور الخدع البصرية في حين أنها غير موجودة أصلاً، ولا يرى أجزاء من المشاهد التي تحتوي الكثير من الأشياء ويرى فقط شيئاً واحداً. كلّ هذا يتعلق بالدماغ أيضاً لأن الحواس وحدها مجرد ادوات أو قنوات ناقلة للمعلومة وحسب.

فكيف يمكننا إذن أن نثق بحواسنا ونعتمد عليها كوسيلة للتفكير العلمي وتحصيل المعرفة إذا كانت تخطئ في مواقف كثيرة؟

تقول دراسات علم الأعصاب الحديثة أن العقل يؤثر على عمل الحواس ويجعلها تعمل وفق سياقات معينة ولذلك لا تنقل لنا التفاصيل دائماً. كما أنها تعمل وفقاً للتجارب الماضية، وبالتالي تتأثر وظائف الحواس بكلّ تلك العوامل وغيرها. لذلك نتساءل من جديد عن موضوعيتها في مقابل ذاتيتها.

تكامل المعرفة العقلية والمعرفة الحسّية (أو التجريبية)


المعرفة الحسّية هي معرفة أوّلية، مصدرها الحواس وتصلنا مباشرة من خلالها. وأما المعرفة العقلية فهي معرفة ثانوية تعتمد على أبعاد عقلية لا تتعلق بالحواس مبشارة مثل: مفهوم السببية والمنطق. وبالتالي فإن المعرفة العقلية هي بناء منطقي مترابط.

مصادر المعرفة كثيرة، وقد تحدثنا سابقاً عن الحدس، والآن نتحدث عن العقل والتجربة الحسّية.

على هذا الأساس، هناك اتجاهين فلسفيين يدافع كلّ واحد منهما عن أحد هذه المصادر.

– الإتجاه التجريبي: يقول بان كلّ المعرفة التي نحصل عليها مصدرها هو الحواس والتجارب. وبالتالي ينفي وجود معرفة فطرية تولد مع الإنسان. هذا الاتجاه يسير بشكل جيد مع المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والملاحظة كأساس لإثبات صحة المعرفة.  غير أن الاتجاه التجريبي يجد نفسه محدوداً بأفكارك الخاصة عندما يكون في مواجه علوم نظرية جداً مثل الرياضيات والأخلاق.

– الاتجاه العقلاني: يقول هذا الاتجاه أنه على الأقل هناك جزء من المعرفة التي نحصل عليها فقط عن طريق العقل دون اللجوء للحواس والتجربة. كما يقول بأن العقل يلعب دوراً مهماً جداً في اكتساب كل أنواع المعرفة.

وهنا أيضاً توجد حدود لما يستطيع الإنسان تعلمه والوصول إليه من معرفة عن طريق العقل وحده، غير أن العقلانيين يقولون بأن العقل يلعب الدور الأساسي في الملاحظة وهو بهذا أهم بكثير من الحواس.

لكن وجهة النظر المثالية هي أن نجمع بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية ونوحّد الاتجاه التجريبي مع الاتجاه العقلي.

في السابق كان هذين الاتجاهين يعتقد كلّ واحد منهما أن الحقيقة المطلقة معه وحده. ولكن حالياً في هذا العصر تطورت المعرفة البشرية وأساليبها ولم يعد هناك داعٍ لجعل المعرفة محدودة إما بالعقل وحده أو بالحواس والتجربة وحدها. الأكثر حكمة هو أن نقوم بالجمع بين النوعين معاً إذا كان هدفنا هو فعلاً تحصيل المعرفة الصحيحة والصلبة.

ليس مهماً أي طريق يسلك الإنسان للوصول إلى المعرفة، هل هو العقل أو الحواس، بل المهم هو أن يملك القدرة على فهم الأسلوبين واختيار التركيبة المناسبة (كم نسبة استعمال العقل اللازمة في مجال وموقف معين، وكم نسبة استعمال الحواس) لأجل الوصول للنتيجة المثالية.

وطبعاً نحن لا نتحدث عن توحيد الإتجاهين من فراغ.

لقد قام الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بالتفكير مسبقاً في توحيد العقلانية بالتجريبية.

قام كانط بأخذ بعض ما أتت به النظريتين السابقتين وقال بأن العقل يمكنه فقط أن يعمل منغلقاً على ذاته وأن يضمن عدم التناقض بين الأفكار. وبالتالي لا يمكننا أن نتوصل لجميع المعارف فقط عن طريق مبدأ عدم النتاقض الذي يضمنه العقل. وهنا تظهر الحاجة لاستعمال مبادئ خارجية لا يتوفر عليها العقل وحده.

وهنا تحدث كانط عن نوعين من الاستدلال: الاستدلال التحليلي (الذي لا يحتاج أي فرضيات ولا مبادئ خارجية) والاستدلال التركيبي (الذي يجمع أو يركّب بين التحليل وبين مبادئ وفرضيات أخرى لا نصل إليها بالعقل وحده).

ولذلك تتلخص وجهة نظر كانط في العبارة التالية: التجريبية دون تفكير عقلي هي مجرد قائمة من الأحداث الواقعية والعقلانية دون واقع تعكسه تبقى مجرد وسيلة لا قيمة ولا فائدة منها.

ومن هنا نستخلص أن العقل وحده غير كافٍ لتحصيل المعرفة، كما أن الحواسّ وحدها لا تستطيع الوصول لمرحلة أبعد من الواقع.

خلاصة البحث:

حاولنا في هذا البحث الانطلاق من مفاهيم أساسية مثل التفكير، والإدراك، والإحساس والعقل… إلى مفاهيم مركّبة والربط بينها في إشكاليات حاولنا الإجابة عنها ولو بشكل مختصر ولكن كفيل بتوضيح أهم المسائل المتعلقة بالتفكير العلمي.

يمكننا القول في خلاصة هذا البحث بأن التفكير العلمي هو الطريقة الوحيدة التي تُمكن الإنسان من تطوير قدراته الذهنية وفي آن واحد التمكن من المعرفة والقدرة على الدفاع عنها، البرهنة عليها، ونقدها ومراجعتها أيضاً لأنها ليست معرفة مُطلقة.

ولكن هذه الطريقة ليست سهلة جداً كما يمكن أن نتصور. إنها تحتاج الجهد والوقت الكثير، ولكن نتائجها تسمح للإنسان بأن يمتلك عقلاً يسير وفق المناهج العلمية المعتمدة وليس فقط عقلاً عشوائياً يفكر بشكل عاطفي وأسطوري تنقصه عناصر الدّقة والصرامة العلمية.
إننا الآن بحاجة للتفكير العلمي أكثر من أي وقت مضى. ففي هذا العصر التي تطورت فيه وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، أصبح الإنسان غارقاً وسط محيط عميق من المعارفة والحقائق التي تختلط بالباطل والأكاذيب في أحيان كثيرة. فكيف يمكن للإنسان أن ينجو من هذا المحيط إذا لم يملك أدوات التفكير العلمي ويقهم كلّ ما يتعلق به؟

إن هذا التفكير العلمي ليس إذن خاصاً بمجالات العلوم وحدها… بل هو طريقة حياة وتفكير تسمح للإنسان بأن يحمي نفسه من الكمّ الهائل من المعلومات التي تهدف إلى التأثير عليه بأي شكل من الأشكال.

مراجع مستقلة:

A Minature Guide To Scientific Thinking, Dr. Richard Paul and Linda Elder

  http://www.cnrtl.fr/definition/sensation

  http://www.cnrtl.fr/definition/raison

  https://www.psychologytoday.com/blog/in-one-lifespan/201209/understanding-intuition-and-how-the-mind-works

  http://thelawdictionary.org/scientific-knowledge/

  Taking Science to School: Learning and Teaching Science in Grades K-8 (2007) : Chapter 6

  http://www.scienceshumaines.com/la-perception-une-lecture-du-monde_fr_21020.html

  http://www.alukah.net/culture/0/65831/#_ftn5



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك