بين واجب المرأة في العمل وشغف الأمومة وواجباتها

6 يونيو , 2017

في مجتمعاتنا يسهل كثيرًا لوم المرأة، وبالأخص المرأة العاملة، وبالأخص أكثر المرأة العاملة المتزوجة، وأخص منها العاملة والمتزوجة والأم، والأخص فوق كل ذلك تلك التي تعمل في مجالات غير تقليدية، أي ليست معلمة ولا ممرضة، وتعمل بدوام كامل، وأخص منها تلك التي تختلط في عملها مع الكثير من الرجال وتسافر وتتأخر في العمل. فكلما زادت مسؤوليات المرأة كلما زادت تهامسات المجتمع وكلما زاد تحميلها لأعباء ومسؤوليات هي في واقع الأمر أكبر منها.

صراحة أو ضمنًا، التعليقات لن ترحم المرأة. لكن المشكلة التي نتجنبها دائمًا، وعن قصد، أن عمل المرأة ليس المشكلة، بقدر ما هي هذه التصورات النمطية المفروضة فرضًا على المرأة والأدوار المسقطة من حياة انقرضت كافة معالمها وبقي منها فقط هذا التصور التقليدي للمرأة الأم، التي تقضي نهارها في ترتيب المنزل والطبخ والقراءة والتحضير لاستقبال زوجها وأولادها والاهتمام بنفسها.

يمكنك الاطلاع على

إليكم الدليل العلمي على إيذاء عمل الأم للطفل (مترجم)

إن من قال إن الطفل لا يهرول لمعانقة أبيه أو لمنعه من الذهاب إلى العمل قد يكون هو نفسه من قال إن المرأة تتقن الأعمال المنزلية بصورة أفضل من الرجل، كحجة لفرض هذه المهام جميعها على المرأة. وهو نفسه من قال إن المراة أفضل في تغيير الحفاضات وكنس الأرض من الرجل، أو في الطبخ مثلًا مع أن أفضل الطهاة في العالم هم من الذكور.

لا بد أن نعترف أن الضغوطات على المرأة العاملة هي ضغوطات تنتج بمعظمها عن أعباء تستطيع تقاسمها مع الرجل، من الطبخ والتنظيف وليس انتهاءً بالاهتمام بالأطفال وقراءة القصص لهم ومتابعة دروسهم وتطوراتهم اليومية.

 

ولعل هذا نفسه هو من قال أيضًا إن الهدف من العمل هو الكسب المادي حصرًا، سواء للرجل أو المرأة. ونشاهد اليوم في ميدان العلوم الاجتماعية أن السؤال الأبرز مستقبلًا هو عن طبيعة الحياة والعمل في حال توفر حدّ أدنى أساسي من الراتب life with a universal income.

حقيقة الأمر أن العمل في الكثير من الأحيان يكسب المرأة والأم نضجًا، تحتاجه هي كما يحتاجه زوجها وأولادها، وكما يحتاجه المجتمع.

نحن بحاجة إلى نساء عاملات وشغوفات ومتقنات، كما نحن بحاجة إلى رجال أكثر اهتمامًا بأولادهم ومتابعةً لهم وتقربًا منهم.

نحن بحاجة أيضًا إلى نساء أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ القرار، إلى نساء أكثر قدرة على مواجهة أي عنف زوجي أو اضطهاد، وإلى نساء يستطعن القيام بأكثر من لف ورق العنب والتثقف بالروايات.

بحاجة إلى نساء يخضن على أرض الواقع، ويساهمن في تغيير واقع مجتمعاتنا إلى الأفضل. إلى نساء، مهما كان شغفهن بأطفالهن وأزواجهن، قادرات على أن يحتفظن بشغفهن بهذا العالم الواسع من حولنا، على شغفهن بصناعة هذا المجتمع بكل تفاصيله.

يمكنك الاطلاع على

أطفال الأمهات العاملات يتحدّثون بصراحة: لنستمع إليهم (مترجم)

ولعل في تجربتنا مع مجتمع اللاجئين السوريين خير دليل على أهمية عمل المرأة في صياغة شخصية المرأة وتحديد مصير عائلات ومجتمعات بأكملها، فمعظم النساء في مجتمع اللاجئين هن من النساء المتفرغات لرعاية الزوج والأطفال، لكنهن اليوم وبعد تجربة اللجوء عاجزات عن تدبير أمور عائلاتهن لأنهن لا يستطعن الخروج من إطار كونهن مُعالات، فنجد الكثير من حالات تزويج الفتيات مبكرًا والاعتماد على المعونات وعدم التدبير.

بالمقابل، نجد تجربة العائلات اللبنانيات في اللجوء قبل أكثر من 30 عامًا، ورغم الفارق الزمني، أكثر نضجًا، حيث تكثر نماذج النساء اللواتي تمكن من تدبير وإدارة أمور عائلاتهن والتأقلم مع بيئات جديدة، وقد يعود هذا بشكل كبير إلى أن المرأة في لبنان بدأت المشاركة في سوق العمل في فترة متقدمة مقارنة بالنساء في دول الجوار العربي

ولا زلت أذكر إلى اليوم حسرة جدتي على أختها، التي رفض أهلها أن تطلب الطلاق من زوجها واضطرت أن تمضي حياتها كاملة مضطهدة بسبب قرار صغير، الأصل أنها هي من يمتلكه لا أهلها.

 

إن عمل المرأة في مثل هذه الحالات حاسم في تغيير مصير عائلات وأفراد بشكل كامل. وأشير في هذا السياق إلى أن معظم المدمنين على المخدرات أو المضطربين سلوكيًا نشأوا في بيئة أسرية يكثر فيها العنف والاضطهاد، بمعدلات أعلى بكثير مقارنة بمن كانت أمهاتهن من الأمهات العاملات. فالمرأة العاملة والمستقلة أكثر قدرة على حماية نفسها وتربية أطفالها.

وللأسف فإن القائمين على شبكة زدني وإن ادعوا الموضوعية إلا أنهم كانوا منحازون ضمنيًا للقائلين بعدم عمل المرأة.

ثم إن الأولى أن يكون عنوان الملف المطلوب معالجته واحدًا من اثنين (أو كليهما): الأول هو نظام الوظيفة بصيغته التقليدية بوصفه نوعًا من الاستعباد المعاصر للمرأة والرجل على حد سواء.

الثاني هو التربية، وليس عمل المرأة، لأن عمل المرأة ليس فصلاً في ترك الأطفال أمام التلفاز من عدمه، بل غالبًا أن المراة المتعلمة أكثر وعيًا بمخاطر التلفاز وأكثر إلمامًا وقدرة على التربية.

وجميع هذه المواضيع التي تم طرحها تدور في فلك التربية أكثر منها في فلك عمل المرأة. أما القول بأن الحضانة شر مطلق أو بأننا نعمل لأجل أبنائنا، فهذه أيضًا من الحجج السطحية. فقديمًا كانوا يرسلون أطفالهم إلى البادية ليرضعوا ويكبروا وكانوا يجدون فيها من الفوائد الجمّة، رغم أن النساء لم يكنّ عاملات بمعنى اليوم.

كما أن حزننا عندما نترك أطفالنا على باب الحضانة هو سؤال يجيب عنه القلب لا العقل، فهو بالضرورة سؤال العاطفة لا سؤال الإدراك (شئنا أم أبينا، فإن علاقتنا مع أولادنا هي بالفعل أقرب لما يصفه جبران في أن أولادنا ليسوا لنا، هم أولاد الحياة، وأننا في رعايتنا لهم وتربيتهم كالرامي الذي يثبت السهم فيبذل كل ما بوسعه لتكون الرمية صائبة، وباقي الأمور تسيير وتقدير).

يمكنك الاطلاع على

لماذا الحضانة مهمة؟

 لا بد أن نميز في حديثنا وتعميمنا بين واجبات الأمومة وشغفها، فالواجبات هي الأمور التي تتحمل تقصيرًا مثل توفير الحنان والنظافة والطعام وغيرها، أما الشغف فهي الأمور العاطفية البحتة وهذه أمور شخصية، مثل ربط الحنان بمصدر واحد فقط، أو النظافة بشخص واحد فقط (مع الإشارة هنا إلى الجهة التي تتولى الرعاية غالبًا ما تكون الجدة في غياب الأم، أو أحد الأقارب، وليس وحشًا أو كائنًا شريرًا كما يتصور البعض) وإن استمتاع جهة بهذه الأمور هو أمر محمود وليس مذموم، ولكنه لا يبرر أي تعميم بأن مثل هذا الاستمتاع واجب ويأخذ أولوية دون الاستمتاع بأمور أخرى (كالعمل مثلاً)  في حال مراعاة الأولويات والواجبات. وهذا شأنه شأن كل المسؤوليات الأخرى.

أما أن تكون حياة المرأة العاملة ماراثونًا، فهذا من شأنه أن يتعبها هي وليس أنتم، وهي غالبًا قادرة على كبح جماح نفسها متى أرادت. باختصار، المرأة العاملة والأم، هي امرأة عاقلة وهي تملك نفس المشاعر والعواطف، كما أنها لن تعود إلى منزلها بمجرد قراءة مقال أو اثنين.

دعونا نتوقف قليلًا عن الحديث في عمل المرأة كموضوع مبني للمجهول، ونعيد تأطيره في سياقه الصحيح. زواج المراة وعملها ليسا أمران متناقضان. زواج المرأة جزء من حياتها، وعملها، كما دراستها، جزء من حياتها، كما هواياتها، وكما كل شيء آخر. بل إن الأصل بين الجانبين هو العمل، لأن الزواج أمر غيبي وقلبي، قد يكون وقد لا يكون.

كما أن عمل المرأة ليس كابوسًا. لا للمرأة ولا للرجل. وهو ليس سبب “قلة التربية” ولا سبب “قلة فرص العمل للرجال” ولا سبب “كثرة حالات الطلاق”.

فكل من هذه الأمور هي ظواهر اجتماعية لها أسبابها الكثيرة المتجذرة في البنية الهشة وغير المتجددة للنظام الأسري والديني والاجتماعي في مجتمعاتنا اليوم. وإن عمل المرأة ومشاركتها بصورة أكثر فعالية في المجتمع هو أمر إيجابي لا سلبي. وأمر العمل سواء في الدين أو الدنيا لا يتوجه لجنس حصرًا دون جنس آخر.

دعونا نشجع عمل المرأة ونشجع إيجاد بيئات تدعم المرأة أكثر وتحترمها، بيئات أسرية متعاونة، لا تكون العلاقة فيها علاقة منفق وخادمة، بل علاقة فردين ناضجين يتشاركان الحياة فعلًا بكل تفاصيلها، ومسؤوليات المنزل، ومسؤوليات التربية. دعونا نغُص أكثر في هذه النمطيات التي تحكم حياتنا، وتفرض على المرأة حصرًا أن تضحي لأجل أبنائها الذين هم أيضًا أبناء الرجل، أي أبناؤهما.

عزيزتي المرأة، لا تعملي لأجل أبنائك فقط، بل اعملي لنفسك أولًا، لأن الراحة في هذا الزمن ترف لا نستطيع القعود دونه، ولأننا بحاجة إلى كل ذرة من الطاقة. ولتكن مشاركتك الفاعلة في جميع المجالات بداية التغيير. أولسنا الجيل الذي تعب من توارث الأجيال بعضها البعض لحلم التغيير؟

يمكنك الاطلاع على جميع مقالات قضية الشهر على هذا الرابط

قضية شهر 5\2017 “حق الطفل في حضانة أمه ورعايتها…والأم العاملة”

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك