من بيت الحكمة إلى المستوطنات المعرفية.. رحلة فِكرية مع منير فاشة

27 يونيو , 2018

قبل أكثر من ألف عام، وحين بدأ الإعداد لأول مؤسسة علميّة في الحضارة الإسلامية في مدينة بغداد لم يقع الاختيار على تسمية مثل “جامعة بغداد للعلوم الطبيعية” أو حتى “جامعة بولتيكينك العراق” كما تُسمى جامعات بلادنا اليوم ولكنها سُمّيت “بيت الحكمة” والتي تحمل في طيّاتها الكثير من المعاني العميقة كما تفضح الكثير مما لا نعرفهُ عن جامعات بلادنا والتي يُطلق عليها الباحث التربوي د. منير فاشة اسم “المستوطنات المعرفيّة” ويؤكد أنها أبعد ما تكون عن الحكمة بعد أن درس في جامعة هارفرد وقبل أن يبدأ دعوته بالمقاومة ضد الاحتلال المعرفي، كما سنرى من خلال “الرحلة” التالية مع شيء من أفكاره وخواطره حول إشكاليّات التعليم في عصرنا الحالي.

 

الحكمة

في بيت الحكمة، لم يكن طلب العلم يُختزل في الحصول على شهادة يُفاخر بها الطالب أما أصحابه و”أهل الحارة”. كانت الحكمة هي المُبتغى وهي تختلف عن مفهومنا للعلم اليوم لأنها “ليست معلومات ومعارف ومهارات تُضاف إلى الشخص، وإنما تقطن الحكمة في أسلوب ونمط حياة الشخص وفي توافق هذا النمط مع فكره وتعبيره” كما يقول باحثنا، ويزيد بأن “الحكمة تقطن في احترام وحدة وترابط الخلق، وفي احترام الطبيعة البشرية والمادية بمعنى عدم الإضرار بهما”، وهذا ما لا نجده في أكثر المتعلمين اليوم، حيث نرى المتعلم لا علاقة له بما يتعلم أو يُعلّم إلا “الراتب الشهري” الذي سيحصل عليه بعد التخرج.

صفحة من كتاب الحيوان للجاحظ ( المصدر )

 

الجاحظ مثلًا، كان أحد أعلام بيت الحكمة البارزين، فقد برز في الأدب كما برز في علم “البيولوجيا” من خلال مُلاحظاته المميزة التي دوّنها في كتابه “الحيوان” فقد كان شغوفًا بالحكمة وليس بمجال “تخصصه الأكاديمي” فقط، وبالنسبة لـ”فاشة” فإن أروع ما كُتب حول موضوع الكلام والمعنى” هو ما كتبه الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين” فالكتاب “يعكس عالمًا يختلف جذريًا عن العالم السائد الذي يحاول أن يقنعنا بأن هناك مسارًا أحاديًا للتقدم، وأننا نقع على نقطة متدنية منه، وأن الحاضر أفضل مما مضى بشكل مطلق، مما يجعل الكتاب هامًا في استعادة الحكمة في جامعاتنا.”

 

في كتاب الجاحظ، قرأ د. منير فاشة عام 1997 عبارة للإمام علي غيّرت الكثير في حياته وتصوراته وهي:

“قيمة كل امرئ ما يحسن”

 

وقد تحوّلت لاحقًا لتصبح عنوانًا لأحد كتبه الصادرة عن الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية عام 2000، فالعبارة التي قد يمر عنها بعضنا مر السحاب ودون تفكر أو تأمل، تُجسد في نظر باحثنا “بوصلة تشير إلى أن قيمة المرء مليئة بالاحترام” كما أنها يُمكن أن تساهم في علاجنا من الأمراض التي استفحلت في مجتمعاتنا مثل “حشر المعرفة بين دفّتَيْ كتاب، ومثل مسخ قيمة الطالب إلى رقم، ومثل أن المعرفة تقتصر على معلومات مُشرذمة ومهارات آلية، ومثل الاقتناع أن بالإمكان قياس ذكاء الطلبة وفق مقياس وضعه فرنسي وتلقفته جامعة ستانفورد وعُرِفَ بمعامل الذكاء IQ”.

 

إن مثل هذه العبارة ليست حالة شاذة في تاريخ الحضارة الإسلاميّة وعصر “بيت الحكمة”، فباحثنا – وهو مسيحي بالمناسبة- كثيرًا ما يكشف لنا أن سعينا الحثيث لتقليد الغرب أبعدنا كثيرًا عن المعاني الساميّة التي عاشها طلبة العلم والحكمة في الماضي، فطالب الدكتوراه الذي لا يسعى من خلال أبحاثه إلا  للحصول على “لقب” و”زيادة في المعاش” لا يُمكن أن يعوّل عليه وهذا ما يتجلى في كلام ابن العربي إذ يقول: “علمٌ بدون عمل، لا يعوَّل عليه”، بالإضافة إلى هذه المقولة هناك مقولات كثيرة تتوافق مع الكرامة والاحترام وتترك القرار للشخص بدلًا من أن تعطيه جوابًا جاهزًا وبالتالي فهي تعكس “الحكمة” مثل مقولة جلال الدين الرومي “ربما تبحث بين الأغصان عما يظهر فقط في الجذور” والتي يستشهد بها “فاشة” في مقالته “رؤية السكاكيني في التعليم مقابل رؤية فنلندا” والذي يُشير فيها إلى أن التجربة الفنلندية ليست “ورديّة” كما يحلو لنا أن نتخيل وأنها بمثابة البحث بين الأغصان وبالتالي فإن للوصول للحكمة في مدارسنا لا بُد لنا من العودة للجذور والحكمة!

 

المستوطنات المعرفية

اليوم تكاد تختفي الحكمة من حياتنا مع تزايد “المستوطنات المعرفية” كما يسميها “فاشة” أو “الجامعات” كما نعرفها جميعًا، فحتى الجامعات التي تُسمى “وطنية” وتحمل أسماء عربية رنانة هي في كثير من الأحيان ليست وطنيّة ومرجعيتها “القبيلة الأورو-أمريكية” وقد مهدت الطريق للمستوطنات العسكريّة كونها تستوطن في العقول والإدراك والأفعال والعلاقات، أول هذه المستوطنات في بلاد الشام هي الجامعة الأمريكية في بيروت التي أسست عام 1869 ومهّدت – بحسب د. منير فاشة – للمستوطنات العسكريّة.

 

صورة: الجامعة الأمريكية في بيروت ( مصدر )

 

ويُضيف “الأنظمة التعليمية التي سادت في العالم منذ 300 سنة على الأقل، وبدون استثناء، لا تسير فقط وفق قيم السيطرة والفوز ولا تخدم فقط نمط الاستهلاك في العيش وإنما تهيئ الأطفال والطلبة – خلال 12 سنة – لاكتساب أنماط في الفكر والإدراك والعيش تتوافق مع هذه القيم ومع نمط الاستهلاك. فتحويل المعرفة إلى سلعة، تُشترى وتُباع، وتحويل الإنسان إلى مالك ومستهلك لها، وتحويل قيمة الإنسان إلى شهادة تحدّد “سعره” في السوق، وفصل المعرفة عن الحياة… تشكل جميعًا عناصر أساسية في نمط الاستهلاك في العيش.”

 

ولفهم الاحتلال المعرفي بشكل أعمق، لا بُد أن نلتفت إلى اختراع السيفون الذي دخل بلادنا باعتباره مُنقذًا لنا من “التخلف” وأنه في خدمة صحتنا وهو ما قد يبدو صحيحًا للوهلة الأولى بيد أنه يُشكل “بليّة” ليس علينا فقط وانما على البشرية فهو يسلبنا أغلى ما نملك وهو الماء ويوضّح “فاشة” هذا قائلًا: “40% من الماء المستعمل في البيوت يُستعمل من خلال السيفون لنقل فضلات الإنسان، والتي أُخذت أصلًا من التربة. وهذا يعني أنه إلى جانب خسارتنا للماء، نخسر أيضًا فضلات الإنسان، وبالتالي نخسر التربة التي خرجت منها تلك الفضلات، إذ ينقلها السيفون إلى الأنهار والبحار والوديان، فتخسر التربة مواد غنية وتتلوث البحار والأنهار، وتؤدي العملية إلى قتل العديد من الأسماك. أي: بدلًا من إرجاع الفضلات إلى التربة، تُنقل إلى البحار والأنهار مما يعني خسارة وتلويث في آن واحد!” وبالعودة إلى جامعتنا يُشير باحثنا أنه:

“لا أعرف جامعة عربية مثلًا تهتم بتصميم طريقة لمعالجة الفضلات بحيث لا تحتاج إلى ماء. السيفون اختراع علمي مذهل، لكن في معظم بلاد الشام كارثي غير حكيم بسبب شح المياه”.

 

صورة: سيفون كـ “منقذ من التخلف” أم “ضار بالبيئة الفقيرة للمياه؟” (مصدر الصورة)

 

إحدى الشخصيات التي تبهر “منير فاشة” ويُكثر الحديث عنها في كتاباته ومحاضراته هو الأستاذ الفلسطيني خليل السكاكيني وهو واحدًا ممن لاحظوا هذا “الاحتلال المعرفي” قبل أكثر من 100 عام وهو في سن 18 سنة فقط وكان يعتبر “التعليم المستورد من الغرب” على أنه “احتذاءٌ بحذاء الغير” وكان يرى أنه لا بُد للتعليم في فلسطين أن يكون مرتبطًا بالطبيعة والحضارة والمجتمع المحيط فكان يصحب طلابه في رحلات مشي على الأقدام للتعرف على الأماكن والنباتات والينابيع بشكل متواصل، بعكس ما يحصل اليوم مع الطلاب حيث “يجلس الطالب على قفاه في المدرسة وفي البيت والمكتبة والسيارة والباص.. كل أعضاء جسمه الأخرى معطلة: لا يستعمل يديه أو رجليه أو حواسه أو عقله أو عواطفه أو خياله، وإذا استعملها، يكون ذلك على مقدار إنجاز ما يطلبه المدرّس وما تتطلب القيم التي تحكم العمل في المدرسة، مثل الفوز على الآخرين”.

 

يؤكد “فاشة” أنه لم يجد في كُل المؤتمرات التي عُقدت حول التعليم في فلسطين مؤتمرًا يُطالب بتعليم يرتكز على الزراعة والعلاقة مع الأرض، إلا مؤتمرًا واحدًا عُقد عام 1929 الذي عقده فلاحو فلسطين في يافا وكان يهدف إلى إعادة النظر في التعليم الذي فرضه الاحتلال الإنكليزي.

 

أما اليوم وبعد حوالي 90 عامًا فإن “فاشة” يُشير إلى أن كارثة أخرى وهي التغني بأن الفلسطينيين هم “من أكثر شعوب العالم حملة لشهادات جامعيّة” دُون أن نلتفت لحقيقة بسيطة مفادها أن الكثير من حملة الشهادات لا يستطيعون أن يقدموا أي نفع لمجتمعاتهم وقراهم ومخيماتهم لأن المعرفة التي حصلوا عليها مصممة على مقاس أيديولوجية الاستهلاك وتراكم رأس المال وليس لخدمة مجتمعهم، هذا بخلاف أن كثيرين من “حملة الشهادات” درسوا كي يضيفوا سطرًا إلى “السيرة الذاتية-(CV)”، لا للتعمق في فهم المُشكلات من حولهم.

 

ما هو البديل؟ هل نترك المدارس؟

إحدى الحكايات المثيرة التي تعكس شيئًا من تجليّات أفكار د. منير فاشة في حياته وبعيدًا عن التنظير هي حكاية ابنه تامر الذي جاءه ذات يوم وأخبره بأنه يريد أن يترك المدرسة وهو لا يزال في الصف الرابع، فلم يُمانع ولكن اشترط عليه أمران أساسيان بأن يذهب كُل شهر إلى مكان لشراء كتب تجذبه ويُحبها “غير مقررة” والأمر الثاني أنه لا بُد له من تعلم مهارة يدوية.. وبالفعل تم ذلك وقام بشراء “معزة” لابنه الذي قرر أن يتعلم كيف يحلب المعزة واستمر على هذا فترة طويلة إلى أن قرر الطفل أن يعود بنفسه إلى المدرسة لأنه أراد أن يكون برفقة أصدقائه لوقت أطول.

 

وقد استفاد “تامر” كثيرًا من هذه التجربة كما استفاد والده الذي أكد لاحقًا في مقالة بعنوان “ما هو البديل؟” أن “البديل ليس جوابًا جاهزًا نطبّقه آليًا بل عملية مستمرة تتطلب العيش بأمل وصبر ووضوح في الرؤيا التي نعيش وفقها” مثل “انتزاع حذاء الغير” وتبني الحكمة “قيمة المرء ما يتقنه” والنزول للمجتمع للتعلم ضمن “مجاورات” دون سلطة خارجها أو داخلها، ثم تطبيق ما نعلم لينفع الناس فكما يقول ابن العربي: “علمٌ بدون عمل، لا يعوَّل عليه”.

 

“ليس بالإمكان التحرر من الاحتلال العسكري بدون التحرر من الاحتلال المعرفي”.

منير فاشة

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك